خيم الحزن، صباح الأحد 24 ماي 2026، على منطقة كهف النسور بإقليم خنيفرة، عقب مصرع عامل ستيني (ع. غ) بمقلع للرخام في حادث شغل مأساوي، أثناء مزاولته لعمله، بعدما سقط من علو يناهز ستة أمتار، ليرتطم بأحجار مسننة ومتراكمة، ما تسبب له في إصابات ورضوض خطيرة عجلت بوفاته بعين المكان، وسط حالة من الذهول والصدمة في صفوف زملائه والعاملين بالمقلع وأوساط واسعة من ساكنة المنطقة.
وسرعان ما استنفرت الواقعة المأساوية السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي والشرطة العلمية، التي انتقلت إلى مسرح الحادث فور إشعارها بالواقعة، بينها رئيس الجماعة، حيث جرى تطويق المكان وفتح تحقيق، تحت إشراف النيابة العامة المختصة، قصد تحديد ظروف وملابسات الحادث، والكشف عن كافة الأسباب المحتملة والمسؤوليات المرتبطة به.
ومن وسط المكان الذي شهد جمعا لافتا من المواطنين، تم نقل جثمان الضحية، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، إلى مستودع الأموات، في انتظار استكمال التحقيقات واتخاذ المتعين في النازلة، وقد خلف الحادث المفجع حزنا واسعا، خاصة وأن الضحية كان معروفا بين العاملين بالمقلع، إذ أمضى أزيد من عشرين سنة في هذا المجال، وكان يعيل أسرة تتكون من ثلاثة أبناء يجدون أنفسهم من دون أب في عيد الأضحى.
ويعيد هذا الحادث المميت، كما في حوادث مشابهة شهدتها بعض المقالع، تساؤلات ملحة حول مدى توفر شروط السلامة المهنية وأدوات الحماية الضرورية داخل فضاءات العمل، وكذا مستوى المراقبة والتتبع الذي تخضع له هذه الوحدات الإنتاجية، ضمانا لاحترام الضوابط القانونية والتنظيمية المؤطرة لقطاع المقالع، وتفاديا لتكرار مآسٍ إنسانية مماثلة تحصد أرواح العمال أثناء أداء مهامهم اليومية.
وخلال الساعات التي أعقبت الحادث، جرى تداول شريط فيديو مؤثر يوثق مشهد ابن الضحية وهو يصرخ بجوار جثة والده بمسرح الفاجعة، متحدثا بحرقة وغضب، متسائلا عن الكيفية التي سمح بها لوالده بالاشتغال تحت كتل صخرية ضخمة لا تسندها، بحسب تعبيره، سوى الأتربة، ومشيرا إلى ما اعتبره مخاطر واضحة بالموقع وظروفا تفتقر إلى شروط السلامة الكافية وأحزمة الحياة لحماية العمال من مثل هذه الحوادث القاتلة.
كما أثار المشهد انتباها واسعا بعدما رفع الابن فردة حذاء والده، في لقطة مؤثرة اختزلت، بالنسبة لكثيرين، قسوة ظروف الشغل ومعاناة البحث اليومي عن لقمة العيش، فيما بدا أحد الحاضرين وهو يطالبه بالحديث عن أداة العمل التي كان الهالك يشتغل بها لحظة وقوع الحادثالذي جدد المطالب بضرورة تشديد المراقبة على ظروف العمل، وضمان احترام معايير السلامة المهنية، خاصة في المواقع التي تنطوي على مخاطر كبيرة.
وأعاد هذا الحادث إلى الأذهان فاجعة عرفتها المنطقة نفسها، يوم الثلاثاء 25 أبريل 2023، حين شهد أحد مقالع الرخام انهيارا خطيرا تسبب في مصرع عاملين، أحدهما في العشرينات من عمره والآخر أربعيني، وبينما تمكنت فرق الإنقاذ حينها من انتشال جثة أحد الضحيتين في وقت وجيز، استغرقت عملية العثور على جثة العامل الثاني حوالي يومين، بسبب ضخامة الأحجار والأتربة التي انهارت فوقه.