إطلاق “تجربة خنيفرة 2026” السياحية بطموحات التنمية الاقتصادية والثقافية ورهانات على الطبيعة والانفتاح الدولي

0

°° أحمد بيضي

في سياق البحث عن تموقع سياحي أكثر تنافسية واستدامة، انطلقت بخنيفرة دينامية جديدة تراهن على تثمين المؤهلات الطبيعية والثقافية للإقليم، بمبادرة من المجلس الجهوي للسياحة بجهة بني ملال- خنيفرة، بشراكة مع مجلس جهة بني ملال- خنيفرة والمكتب الوطني المغربي للسياحة، من خلال إطلاق النسخة الأولى من تظاهرة “تجربة خنيفرة 2026” للأنشطة الخارجية، التي تشكل محطة نوعية في مسار إعادة تشكيل صورة الجهة كوجهة سياحية بديلة وقادرة على استقطاب فئات جديدة من الزوار، خصوصا عشاق الطبيعة والرياضات الجبلية.
الافتتاح الرسمي للتظاهرة السياحية، الذي احتضنه المركز الثقافي أبوالقاسم الزياني، بخنيفرة، عرف حضور عامل إقليم خنيفرة، محمد عادل إهوران، الذي ترأس مراسيم هذا الحدث، بحضور الكاتب العام للعمالة، ورئيس قسم الشؤون الداخلية، وباشا المدينة، والمندوب الجهوي للسياحة، إلى جانب رئيسي المجلسين الإقليمي والجماعي، فضلا عن رؤساء المصالح الأمنية والعسكرية بالإقليم، ومجموعة من المستثمرين السياحيين وفعاليات المجتمع المدني، في مشهد يعكس تعبئة شاملة لمواكبة هذا الورش السياحي الواعد.
وفي مشهد احتفالي يعكس عمق الهوية المحلية، نصبت خيمة أمازيغية تقليدية يتوسطها أحد أبناء المنطقة بلباس مغربي أصيل وهو يقدم أكواب الشاي في طقس يعكس رمزية الترحيب والتواصل، وعلى مقربة منها، أبدعت فرقة من فن أحيدوس في تقديم لوحات فنية جماعية، بإيقاعاتها وحركاتها المتناغمة، ما أضفى على المكان حيوية خاصة واستقطب انتباه الحاضرين، هذا الحضور القوي للتراث اللامادي، بما يحمله من عادات وتقاليد وفنون، شكل بعدا مكملا للتجربة السياحية، يعززها تموقع المنطقة بين سحر الطبيعة وثراء الفنون وأصالة الهوية.

مداخل لسياحة مستدامة

وقد استهلت أشغال الجلسة الافتتاحية الرسمية بإلقاء كلمات مؤسساتية لكل من رئيس المجلس الجهوي للسياحة بني ملال–خنيفرة، ورئيس المجلس الإقليمي لخنيفرة، اللذين أكدا في مداخلتيهما على الأهمية الاستراتيجية لقطاع السياحة باعتباره رافعة اقتصادية واعدة، قادرة على خلق فرص الشغل وتعزيز جاذبية الإقليم، مع التشديد على ضرورة تضافر الجهود بين مختلف الفاعلين لبلوغ هذا الهدف، وقد تولى تسيير هذه الجلسة المندوب الإقليمي للسياحة بخنيفرة والكاتب العام للمجلس الجهوي للسياحة.
وعلى المستوى العلمي، عرفت الندوة مشاركة نوعية لعدد من الأطر والخبراء، الذين قدموا قراءات متعددة الأبعاد حول السياحة البيئية والرياضية، وفي هذا السياق، أبرز ممثل الوكالة الوطنية للمياه والغابات ومدير المنتزه الوطني لخنيفرة، حسن بلحسن، أهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية كمدخل أساسي لتطوير سياحة مستدامة تحترم التوازنات البيئية، فيما سلط رئيس الفيدرالية المغربية للصيد الإيكولوجي، عادل سموني، الضوء على الإمكانات التي توفرها الأنشطة البيئية في تنويع العرض السياحي واستقطاب فئات جديدة من الزوار.
ومن جهته، قدم رئيس مؤسسة روح أجدير الأطلس، محمد ياسين، تصورا منبثقا من الواقع المحلي لتعزيز السياحة الجبلية والثقافية، بينما توقف الباحث ورئيس مجموعة البحث لحماية الطيور بالمغرب، لحسن شيلاص، عند أهمية التنوع البيولوجي، خاصة الطيور، كعنصر جاذب لهواة هذا النوع من السياحة، إلى جانب مداخلات أخرى لمتعهدين وفاعلين وطنيين ودوليين، بينما تميز حفل الافتتاح بحضور الرياضي العالمي، ابن إقليم خنيفرة، محمد ترافح، المتوج بعدة ألقاب، في إشارة إلى ما تزخر به المنطقة من طاقات قادرة على التألق دوليا.

نحو بناء تصور متكامل

واختتمت فقرات الافتتاح بقيام عامل الإقليم، مرفوقا بباقي الحضور، بزيارة فضاء المنتوجات المجالية والأعمال الفنية، المنظم بالمركز الثقافي أبوالقاسم الزياني، بشراكة مع التعاونيات المحلية وعدد من الفاعلين، إلى جانب “قرية الصناع التقليديين”، بخنيفرة، حيث يعكس هذا الفضاء غنى التراث المحلي وتنوعه، من حيث الصناعة التقليدية تعد ركيزة أساسية في الجذب السياحي، ذلك قبل توجه الوفد، بذات الفضاء، لزيارة معرض تعريفي بخدمات وأنشطة نماذج من الشركاء والمتدخلين في مجال السياحة والبيئة.
وقد برز منذ الجلسة الافتتاحية أن الرهان لا ينحصر في الترويج التقليدي، بل يتجاوز ذلك نحو بناء تصور متكامل للسياحة الخارجية، قائم على استثمار الموارد الطبيعية في بعدها البيئي والثقافي، ففي اللقاء الموضوعاتي الأول، الذي تمحور حول “الموارد الطبيعية والثقافية ركيزة السياحة الخارجية”، تم التأكيد على أن غابات الأرز الشاسعة بالأطلس المتوسط، والبحيرات الجبلية، والشبكة المائية الغنية، ليست فقط مؤهلات طبيعية، بل تمثل قاعدة صلبة لإطلاق منتجات سياحية جديدة قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية.
وعلى المستوى العملي، راهنت التظاهرة على نقل النقاش من القاعات إلى الميدان، حيث تمت برمجة سلسلة من الأنشطة الخارجية التي تمتد إلى غاية 7 ماي 2026، في الهواء الطلق، وتشمل جولات استكشافية ورياضات جبلية ولقاءات تفاعلية في عدد من المواقع الطبيعية البارزة، مثل أجدير، وأكلمام أزكزا، وتيكلمامين، وبحيرة ويوان، وعيون أم الربيع، وفي هذا “التجريب الميداني” ما يمنح للتظاهرة بعدا تطبيقيا، ويتيح الوقوف بشكل مباشر على مؤهلات الإقليم، واستكشاف سبل تحويلها إلى منتجات سياحية قابلة للتسويق.

تجاوز المحلي إلى العالمي

ووفق معطيات المنظمين، فإن هذه التظاهرة ستتجاوز بعدها المحلي إلى الوطني والدولي، في خطوة تعكس الرغبة في إدماج خنيفرة ضمن الشبكات السياحية العالمية المتخصصة في السياحة البيئية والرياضية، وسيتمكن المشاركون، طيلة أيام البرنامج، من متابعة عروض مهنية متخصصة، وخوض تجارب ميدانية متنوعة تجمع بين روح المغامرة والاكتشاف، من خلال باقة من الأنشطة التي تشمل الكاياك، والرافتينغ، وركوب الدراجات الجبلية، والمشي الجبلي، وركوب الخيل، إلى جانب مراقبة الطيور والصيد الرياضي.
ويرتقب أن يسهم هذا الزخم، وفق المنظمين، في إعطاء دفعة قوية للحركة السياحية بالإقليم، من خلال استقطاب فاعلين دوليين وفتح آفاق جديدة للترويج، فضلا عن خلق دينامية اقتصادية واجتماعية تمتد آثارها إلى النسيج المحلي، خاصة لفائدة الشباب والمهتمين بالمهن المرتبطة بالسياحة البيئية والأنشطة الخارجية، وفي هذا السياق، حسب المنظمين، أن “تجربة خنيفرة 2026” تجمع أزيد من ثلاثين مهنيا سياحيا من إسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة والبرتغال وبلجيكا وفرنسا وبريطانيا، وهو ما يمنح للتظاهرة بعدا تسويقيا وازنا.
وتمت برمجة لقاء ثان حول “توقعات واتجاهات وفرص سوق السياحة الخارجية”، ركز على تحليل ديناميكيات السوق الدولي واستشراف آفاقه المستقبلية، من خلال حوار مباشر بين وجهة بني ملال-خنيفرة وشركائها المحتملين، بمشاركة فاعلين ميدانيين، من بينهم طه عفينة، مؤسس والرئيس التنفيذي لـ Tripla، وبيليتا وايلد، مستكشفة ومقدمة برامج المغامرة، وأنس منصور من مجموعة Intrepid، إلى جانب المستشار السياحي راؤول ديديسهايم من Solay Travel (نيويورك)، وخولة الحايدي، مشرفة العمليات ب C Adventures.

ملاحظات لابد منها

ورغم الزخم التنظيمي الذي ميز هذه التظاهرة السياحية الثقافية، فقد برزت ملاحظة مرتبطة بجانب التواصل والتأطير اللغوي، إذ تم توزيع الوثائق والمطويات والملصقات المعتمدة حصرا باللغة الفرنسية، في وقت شكلت فيه شرائح واسعة من الحضور، بما في ذلك فاعلون محليون ومهنيون، ممن لا يتقنون هذه اللغة، ما كان يستدعي توفير آليات موازية للترجمة أو تقديم ملخصات تفسيرية للمداخلات، خاصة وأن كلمات الافتتاح ألقيت بدورها باللغتين الفرنسية والإنجليزية فقط.
كما لوحظ غياب اللغة الأمازيغية عن الفضاء البصري للتظاهرة، سواء في الملصقات أو اليافطات، رغم رمزية الإقليم باعتباره عاصمة زيانية واحتضانه لمواقع ذات بعد تاريخي وسياحي بارز، من بينها أجدير، الذي ارتبط بإعلان إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية خلال زيارة ملكية، وفي السياق نفسه، يتجدد أيضا مطلب إحداث مندوبية إقليمية للسياحة بخنيفرة، بما من شأنه تعزيز الحكامة المحلية وتقريب القرار السياحي من خصوصيات المجال الترابي، في ظل الرهانات المرتبطة بتنويع العرض السياحي وتعزيز جاذبية المجالات الجبلية.