موسم مولاي بوعزة بخنيفرة 2026: من تقليد روحي وثقافي عريق إلى ترسيخ قيم التصوف ودعم التنمية المجالية والاقتصادية

0

°° أحمد بيضي

في سياق تثمين الموروث الروحي والثقافي المحلي، احتضنت منطقة مولاي بوعزة، بإقليم خنيفرة، فعاليات “موسم الولي مولاي بوعزة”، في دورته الممتدة من 3 إلى 9 ماي 2026، في تظاهرة سنوية أضحت موعدا بارزا ضمن الأجندة الثقافية والدينية بالمنطقة، لما تحمله من أبعاد رمزية وتنموية متداخلة، وقد نظم هذا الحدث بشراكة بين جماعة مولاي بوعزة والمجلس الإقليمي لخنيفرة، وجمعية أبي يعزى يلنور للثقافة والتنمية المستدامة، وبتنسيق مع عمالة إقليم خنيفرة، تحت شعار: “موسم مولاي بوعزة: تثمين للخصوصيات المحلية وتطلع تشاركي إلى تنمية مجالية مندمجة.
وعكست هذه الدورة من “موسم مولاي بوعزة” زخما لافتا في تنوع فقراتها، حيث جمعت بين البعد الديني والعلمي والثقافي والاقتصادي، في محاولة لإبراز غنى المجال وخصوصياته، واستحضار عمقه الصوفي المرتبط بشخصية الولي الصالح أبي يعزى يلنور، بما يمثله من رمزية في الذاكرة الجماعية المحلية والوطنية، كما عرفت التظاهرة حضورا وازنا لعدد من الشخصيات الرسمية والعلمية والمدنية، يتقدمهم عامل إقليم خنيفرة، محمد عادل إهوران، إلى جانب مسؤولين مدنيين وعسكريين، ومنتخبين، وفعاليات من المجتمع المدني، فضلا عن باحثين ومهتمين بالتراث الصوفي والتاريخي.
وقد استهل الافتتاح الرسمي، صباح يوم الثلاثاء 5 ماي 2026، بأجواء روحانية مهيبة، من خلال تلاوة آيات قرآنية بصوت الإمام والمقرئ، ذ. شبيب فضل الرحمن، تلتها كلمات ترحيبية لكل من رئيس المجلس الجماعي، خالد الميموني، ورئيس جمعية أبي يعزى يلنور، م. أحمد تجاني نصيري، ثم رئيس المجلس العلمي المحلي، ذ. عباس أدعوش، ليتوج هذا الافتتاح بندوة علمية وازنة في موضوع: “دور التراث الصوفي المغربي في خدمة السيرة النبوية”، نظّمها المجلس العلمي المحلي، بتسيير عضو هذا المجلس، ذة.مرية مولودي،  في سياق التفاعل مع مضامين الرسالة الملكية الموجهة إلى علماء الأمة، تخليدا لمرور خمسة عشر قرنا على مولد النبي محمد عليه السلام.

السيرة النبوية والتجربة الصوفية

وفي مداخلته خلال الندوة العلمية، قدم رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، ذ. عباس أدعوش، قراءة معمقة في مظاهر “حضور السيرة النبوية داخل التجربة الصوفية المغربية”، مبرزا أن هذا الحضور لم يكن مجرد استلهام رمزي، بل تجسد في ممارسات وسلوكات روحية واعية، من أبرزها اختيار الفضاءات الملائمة للخلوة والذكر، وأوضح أن الأولياء والصلحاء درجوا على تفضيل الأماكن المنعزلة، خاصة الجبال، اقتداء بسيرة النبي محمد (ص)، الذي كان يلوذ بغار حراء بجبل النور للتأمل والتفكر في ملكوت الله قبل نزول الوحي، حيث كان يتحنث ويتفكر في شؤون الكون، في لحظات شكلت منطلقا لتحول روحي في تاريخ الإنسانية.
وفي هذا السياق، أبرز المتدخل أن التأمل في سيرة الولي الصالح أبي يعزى يلنور، المتوفى سنة 572 هجرية، يكشف عن محاكاة واعية ودقيقة لأسس الزهد والتعبد النبوي، حيث اختار جبل “إروكان” مقاما لخلوته واستقراره، في تعبير جلي عن التفرغ للعبادة والانقطاع عن صخب الحياة، واعتبر أن هذا الاختيار لم يكن اعتباطيا، بل يندرج ضمن تقليد صوفي راسخ يستمد جذوره من السيرة النبوية، التي جعلت من العزلة وسيلة للسمو الروحي والتزكية، وسعيا إلى تحقيق صفاء النفس وتعميق الصلة بالخالق، وأضاف أن هذا النموذج يعكس عمق البعد التربوي في التجربة الصوفية المغربية، التي جعلت من الخلوة فضاء لإعادة بناء الذات وتزكيتها.
ولم يفت المتدخل، ذ. عباس أدعوش، التأكيد على الدور المحوري الذي اضطلعت به الزوايا الصوفية والمساجد في صيانة التراث المرتبط بالسيرة النبوية ونشره بين عامة الناس، من خلال ما ألفه العلماء والصلحاء من مؤلفات في مدح النبي عليه السلام والتعريف بسيرته، واستشهد في هذا الصدد بكتاب “دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار”، للإمام الجزولي، أحد رجالات مراكش السبعة، باعتباره نموذجا بارزا لما حظيت به هذه المؤلفات من عناية ورعاية، أسهمت في ترسيخ المعرفة بالسيرة النبوية لدى فئات واسعة من المجتمع المغربي والعربي.

التصوف المغربي وشخصية أبي يعزى

ومن جانبه، قدم عضو المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، ذ. عبد الكبير عدنان، مداخلة وازنة ركز فيها على استجلاء القيم النبوية في التصوف المغربي من خلال استحضار شخصية الشيخ أبي يعزى يلنور، باعتباره أحد أبرز أعلام التجربة الصوفية بالمغرب، وأبرز المتدخل أن هذا الولي الصالح ترك أثرا عميقا في ترسيخ القيم الدينية وإحياء جذوة الإيمان في النفوس، من خلال أدواره التربوية والاجتماعية التي همت إصلاح ذات البين، ونشر القيم الروحية، والعناية بالبيئة، بما أسهم في تشكل نموذج صوفي متفرد بخصوصياته الثقافية والاجتماعية المحلية، حيث سلط عدنان الضوء على مركزية القيم في بناء الإنسان ضمن التصور الإسلامي.
وبينما أكد أن التصوف المغربي شكل، عبر مساره التاريخي، إطارا تربويا واجتماعيا حافظ على القيم الكبرى، وساهم في ترسيخها داخل النسيج المجتمعي، أبرز ذ. عدنان أن هذا التصوف تميز بارتباطه الوثيق بالكتاب والسنة، وبانخراطه الفعلي في قضايا المجتمع، من خلال ما اضطلعت به الزوايا من وظائف تعليمية وتكافلية، جعلت منها مؤسسات فاعلة في التأطير والتربية، وركز عدنان في عرضه على نموذج أبي يعزى يلنور، باعتباره تجسيدا عمليا للقيم النبوية، حيث عرف بالزهد والتجرد، والتواضع والرحمة، وخدمة الناس، إلى جانب إسهاماته في التربية والإصلاح بين الأفراد والجماعات.
ولم يفت ذ. عدنان اعتبار كون سيرة هذا الولي الصالح تعكس بوضوح انتقال القيم من خطاب نظري إلى ممارسة يومية مؤثرة في سلوك الأفراد وتوازن المجتمع، مشددا على أن للأولياء دورا محوريا في صون هذه القيم من خلال آليات التربية والتزكية والإصلاح الاجتماعي، وخلص المتدخل إلى أن استحضار هذه النماذج لا ينبغي أن يظل حبيس التمجيد التاريخي، بل يستدعي تفعيلها في الواقع المعاصر، مؤكدا أن إعادة الاعتبار للقيم النبوية تمثل مدخلا أساسيا لمواجهة التحديات الأخلاقية التي يشهدها المجتمع اليوم.
وعلى هامش هذه التظاهرة العلمية الدينية والتراثية، قام عامل إقليم خنيفرة، مرفوقا بالوفد الرسمي، بزيارة إلى ضريح الولي الصالح أبي يعزى يلنور، دفين جبل إيروجان، في تقليد سنوي راسخ يجسد عمق الارتباط الروحي الذي يكنه أبناء المنطقة، إلى جانب العلماء والمهتمين، لهذا الرمز الصوفي البارز، وقد شكلت هذه الزيارة محطة متميزة لاستحضار الأبعاد الروحية والتاريخية للموسم، وإحياء ما يختزنه من دلالات في الذاكرة الجماعية، بما يعكس استمرارية هذا الموروث عبر الأجيال، ويؤكد حضوره المتجدد في وجدان الساكنة باعتباره ركيزة من ركائز الهوية الثقافية والدينية للمنطقة.
وبموازاة ذلك، توزعت فقرات برنامج الموسم على باقة متنوعة من الأنشطة، جمعت بين العروض الفنية الفلكلورية، والندوات العلمية، ومعارض المنتوجات المجالية والصناعة التقليدية، ما جعل من هذه التظاهرة موعدا سنويا يسهم في تنشيط الرواج الاقتصادي، وتعزيز مكانة المنطقة كوجهة سياحية وثقافية صاعدة، وتضمن برنامج دورة هذه السنة فعاليات دينية وعلمية، شملت، إلى جانب الندوة الافتتاحية، ختم صحيح لقراءة القرآن الكريم بالمسجد الأعظم لضريح مولاي بوعزة، وتنظيم أمسية للمديح والسماع الصوفي، فضلا عن قافلة طبية متعددة التخصصات في مبادرة تروم تقريب الخدمات الصحية وتحسين جودتها لفائدة الفئات المعوزة.

البعد الروحي والتنمية المحلية

وشكلت هذه المناسبة محطة بارزة لإبراز إشعاع التراث الصوفي المغربي، والتأكيد على دوره في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، وكذا في خدمة السيرة النبوية ونشر تعاليمها السمحة داخل المجتمع، وعلى مستوى الفقرات الفنية، تميزت فعاليات الموسم بعروض مبهرة في فن التبوريدة، احتضنتها حلبة “أوزير”، حيث أبدع الفرسان في تقديم لوحات جماعية متقنة عكست مهارات عالية وانسجاما لافتا، مجسدة عمق الموروث الثقافي الوطني، وسط تفاعل واسع من الجمهور الذي استمتع بعروض الفروسية التقليدية وما تحمله من دلالات تاريخية وحضارية، تجسد أصالة التراث الأمازيغي وروح المقاومة التي طبعت مناطق الأطلس.
ويعد “موسم مولاي بوعزة”، الواقع على بعد نحو 77 كيلومترا من مدينة خنيفرة، من أبرز التظاهرات الروحية على الصعيد الوطني، حيث يستقطب سنويا آلاف الزوار من مختلف جهات المملكة، بفضل ما يوفره من فرص لاكتشاف غنى الموروث الثقافي والتاريخي، إلى جانب المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها منطقة تاغيا، في قلب الأطلس المتوسط، ويراهن أبناء المنطقة، من خلال هذا الموعد السنوي، على إبراز هذه المؤهلات والتعريف بها على نطاق أوسع، وجعل الموسم منصة للتسويق الترابي، بعدما تجاوز طابعه الديني التقليدي ليزاوج بين البعد الروحي والانخراط في الدينامية التنموية المحلية، بما يعكس عمق التراث الصوفي المغربي ودوره في تحفيز التنمية المجالية.
ويكتسي هذا الحدث طابعا رمزيا خاصا، لارتباطه بسيرة أحد أعلام التصوف المغربي، الشيخ أبي يعزى يلنور، الذي عاش خلال مرحلة تاريخية دقيقة تميزت بالانتقال من الدولة المرابطية إلى الدولة الموحدية، واشتهر بزهده وورعه وما نسب إليه من كرامات، قبل أن يتوفى عن عمر ناهز 130 سنة، ويوارى الثرى بجبل إيروجان، ويعد ضريحه، المعروف باسم “مولاي بوعزة”، قبلة للزوار والوافدين الباحثين عن السكينة الروحية واستلهام القيم الصوفية، وقد خلدت سيرته ومناقبه في مؤلفات عدد من الباحثين والمؤرخين، من بينهم ابن الزيات، والصومعي، وعبد الوهاب بنمنصور، وأحمد التوفيق، وإبراهيم حركات.

الرواية المغربية والذاكرة الجريحة

وتميزت دورة هذه السنة بإغناء برنامجها الثقافي بندوة فكرية نوعية، احتضنت أشغالها عشية يوم الخميس 7 ماي 2026، في إطار شراكة علمية وثقافية جمعت بين “مختبر السرديات المغربي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك – الدار البيضاء”، و”نادي القلم المغربي”، وبتعاون مع “المركز المغربي للبحث العلمي وتطوير الكفاءات”، وقد اختير لهذه الندوة موضوع راهني وذو حمولة فكرية عميقة، تمثل في “الرواية المغربية وكتابة الذاكرة الجريحة”، في سياق يتسم بتنامي الاهتمام داخل الحقل الثقافي الوطني بأسئلة الذاكرة، والعدالة الرمزية، وإعادة قراءة التاريخ من زوايا متعددة.
وتوزعت أشغال هذا اللقاء على قراءات نقدية في أعمال روائية بارزة لعدد من الأسماء الوازنة في المشهد السردي المغربي، من بينها روايتا “ثورة الأيام الأربعة” و”من يكمل وجه الجنرال؟” للكاتب عبد الكريم جويطي، ورواية “مجهول الحال” لسعيد بنسعيد العلوي، إلى جانب رواية “تقرير إلى الهدهد” لشعيب حليفي، وهي نصوص تستعيد، بأساليب فنية وجمالية متباينة، وقائع وتجارب إنسانية مركبة، وتعيد تشكيلها ضمن أفق سردي يستبطن عمق الذاكرة وتشابك مستوياتها، ويطرح أسئلة ملحة حول علاقتها بالتاريخ والواقع، وشارك في تأطير هذه الندوة كل من الباحثين والمبدعين جواد التباعي، ونيهاد القزوي، وعبد الجليل الشافعي.