تيفلت بين مؤهلات النمو واختلالات التدبير الجماعي: تنمية مؤجلة أم فرص مهدورة؟

0

تقع مدينة تيفلت في قلب المنطقة الوسطى الشمالية للمغرب، ضمن جهة الرباط–سلا–القنيطرة بإقليم الخميسات، وهي مدينة ذات موقع استراتيجي هام على الطريق الوطنية التي تربط العاصمة الرباط بمدن الداخل مثل فاس، ما يجعلها نقطة عبور وتجاذب اقتصادي مهم في الحركة التجارية والنقل داخل البلاد.
شهدت تيفلت، خلال السنوات الأخيرة، نموًا ديموغرافيًا ملحوظًا، مع تضاعف عدد سكانها من نحو 69 ألف نسمة في مطلع الألفية إلى ما يقارب 104 آلاف نسمة بحلول 2024، نتيجة فرص الشغل والهجرة من المناطق القروية نحو مركز حضري يوفر خدمات أفضل.
رغم ما تزخر به مدينة تيفلت من مؤهلات جغرافية وبشرية تجعلها مؤهلة للعب دور تنموي محوري داخل إقليم الخميسات، فإن واقعها اليوم يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى التدبير الجماعي وقدرته على تحويل الإمكانات المتاحة إلى تنمية حقيقية وملموسة تستجيب لانتظارات الساكنة.
تتموقع تيفلت في موقع استراتيجي مهم، يربط بين الرباط والمناطق الداخلية، وتحيط بها مجالات فلاحية واعدة، إضافة إلى كتلة سكانية شابة كان من الممكن أن تشكل رافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية. غير أن هذا الرصيد ظل، إلى حد كبير، غير مستثمر بالشكل المطلوب، بسبب غياب رؤية واضحة للتنمية المحلية وتدبير جماعي يغلب عليه الطابع التدبيري اليومي بدل التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
من أبرز مظاهر القصور في التدبير الجماعي، ضعف جودة الخدمات الأساسية، حيث لا تزال البنية التحتية الحضرية تعاني من اختلالات واضحة، سواء على مستوى الطرق، الإنارة العمومية، أو الفضاءات الخضراء التي تبقى محدودة ولا ترقى إلى حجم المدينة ولا إلى حاجيات سكانها. كما أن التأخر في إنجاز بعض المشاريع، أو إنجازها بجودة متدنية، يعكس إشكالات في التتبع والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويبرز مشكل الماء كأحد أكبر التحديات التي تكشف هشاشة التدبير المحلي، إذ تتكرر أزمات التزود بالماء الصالح للشرب، خاصة خلال فترات الصيف، دون حلول جذرية أو تواصل فعال مع المواطنين، ما يعمق فقدان الثقة بين الساكنة والمجلس الجماعي، ويطرح تساؤلات حول نجاعة السياسات المحلية في تدبير الموارد الحيوية.
على المستوى الاقتصادي، لم تنجح الجماعة في خلق مناخ استثماري جاذب، أو في دعم المبادرات المحلية المدرة للدخل بشكل مستدام. فالمدينة تفتقر إلى مناطق أنشطة مهيكلة، كما أن فرص الشغل تبقى محدودة، ما يدفع فئات واسعة من الشباب إلى الهجرة نحو مدن أخرى، في نزيف بشري صامت يفرغ المدينة من طاقاتها.
أما على صعيد الحكامة، فيلاحظ متتبعو الشأن المحلي ضعفًا في التواصل والشفافية، حيث تغيب المعطيات الواضحة حول أولويات صرف الميزانية، كما تظل مشاركة المجتمع المدني والساكنة في اتخاذ القرار محدودة، رغم ما ينص عليه الدستور والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية.
إن الإشكال في تيفلت لا يكمن في غياب الإمكانيات، بل في غياب إرادة سياسية محلية قوية قادرة على القطع مع منطق التدبير التقليدي، واعتماد مقاربة تشاركية، قائمة على التخطيط، النجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ختامًا، تبقى تيفلت مدينة بإمكانات كبيرة، لكنها تعيش تنمية بطيئة لا تعكس حجم مؤهلاتها. ولن يتحقق التحول المنشود إلا بإعادة الاعتبار للتدبير الجماعي كأداة للتنمية، لا كغاية في حد ذاته، وبإشراك حقيقي للمواطن في صناعة مستقبل مدينته، بدل الاكتفاء بتدبير الأعطاب وتأجيل الإصلاح.