
هل مكناس للبيع؟ حين يتحول عباس لومغاري من رئيس جماعة إلى خصم للحقيقة
لم يكن مقال « جريدة الاتحاد الاشتراكي « المعنون بـ «هل مكناس للبيع؟ وأمام صمت الجميع» سوى تشخيص سياسي وإعلامي شجاع لواقع الانحدار الذي تعيشه مدينة مكناس. لكنه شكل في الآن نفسه صفعة قوية لعباس لومغاري، رئيس الجماعة، الذي لم يحتمل أن توضع مرآة الحقيقة أمام وجهه، فاختار الهروب إلى الأمام ومهاجمة الجريدة بدل مواجهة الفشل الذريع في تدبير الشأن المحلي.
في الجلسة الأولى لدورة فبراير المنعقدة يوم الخميس 5 فبراير 2026، استغل عباس لومغاري منصة المجلس الجماعي (التي يفترض أن تكون فضاء لمناقشة هموم المدينة وقضاياها التنموية ومعالجة اختلالاتها، لا لتحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات) ليشن هجوما لاذعا على مقال صحفي مهني.
ستّ دقائق وأكثر قضاها سيادة الرئيس لا في تشريح أعطاب المدينة ولا في تقديم مشروع يُنقذها، بل في استعراض مجاني للتشهير والسب والمسّ بالكرامة الإنسانية. ستّ دقائق كانت كافية ليتأكد الجميع أن الحديث عن التنمية مؤجَّل، أما الانزلاق في الكلام فجاهز وفي الخدمة.
وبدل أن يجيب عن الأسئلة الثقيلة التي تنتظرها الساكنة من المعارضة وحتى من داخل أغلبيته، اختار الطريق الأسهل، وذلك بالهروب إلى الأمام. أفلم يكن الأجدر به أن يردّ على من قال في الدورة إن الأمر تجاوز “ميمي” إلى “هَمْهَم”؟ والكلمتان، في الثقافة الشعبية المكناسية، تعنيان ما تعنيان ولا تحتاجان إلى قاموس… بل إلى المساءلة.
لماذا ما تزال طرق مكناس محفرة؟ لماذا النقل الحضري كارثة يومية؟ لماذا الأسواق الجماعية تحولت إلى بؤر للفوضى؟ لماذا الملك العمومي يُحتل أمام أعين الجميع دون حسيب ولا رقيب؟ لماذا ارتفع الباقي استخلاصه ؟ لماذا تُترك مكناس فريسة للظلام في زمن يُفترض فيه أن تُنار المدن لا أن تُطفأ ؟ لماذا يُترك الشباب فريسة للشيشة والانزلاق بدل أن تُفتح أمامهم فضاءات الأمل؟ لماذا يتقاضى أقرباء المسؤولين أجورًا ضخمة وامتيازات خيالية، بينما لا تطأ أقدامهم مقرّ العمل بشركة ميكومار؟
لماذا اتفاقيات شراكة، ظاهرها ثقافي وفني وباطنها سياسيوي انتخابي ؟ لماذا…؟ ولماذا …؟ ولماذا….
المقال أصاب عباس لومغاري في مقتل سياسي، لأنه قال ما يخفيه خطاب التبرير؛ مكناس يا سادة خارج التنمية، تعيش فوضى القرارات اللحظية، بلا رؤية، بلا استراتيجية، وكأن المسؤولية مجرد شعار بلا مضمون. وهذه ليست أول مرة يُظهر فيها عباس عداءه للحقيقة.
فقد سبق له أن هاجم إذاعة خاصة بثت برنامجا عن مكناس قالت فيه إن المدينة غائبة عن خريطة التنمية الوطنية، وإن سلطتها المنتخبة ضعيفة الأداء. بدل أن يناقش الوقائع، هاجم الصحافيين والضيوف. اليوم يعيد نفس الأسلوب، أي منطق الهروب والأحكام الجاهزة بلا سند، بدل منطق الإنجاز وربط المسؤولية بالمحاسبة.
نسأل عباس لومغاري بوضوح: أين هي المنجزات الفعلية لبرنامج عمل الجماعة الذي تم اعتماده بأقلية من أعضاء المجلس؟ أين هي الاستثمارات العمومية التي جلبتها للمدينة؟ أين هي مناصب الشغل لشبابها؟ أين هي مكناس في برامج الدولة الكبرى؟ من المسؤول عن اختفاء أو ترحيل المهرجان الوطني للمسرح بعد 16 دورة احتضنتها مدينة مكناس؟ مهرجان عيساوة بين الإلغاء والعودة: من يتحمّل سنوات الصمت الثقافي؟ كيف تغتال تجربة مهرجان وليلي التاريخية بتحويله من فضائه المفتوح إلى قاعات مغلقة، ومن يتحمل هذه المسؤولية؟ أين هي المقاربة التشاركية التي يروج لها، بينما تُغيب عمليا عن الرأي العام والفاعلين المدنيين بشهادة المعارضة وجزء من الأغلبية؟
الجواب يعرفه الجميع: مكناس تُدار بالترقيع لا بالتخطيط بالارتجال لا بالرؤية. وبالخطاب لا بالنتائج. من سوق الجملة الذي تحيط به شبهات تدبيرية، إلى الأسواق الجماعية التي تحولت إلى فوضى منظمة، إلى الطرق المهترئة التي صارت عنوانا للإهمال، إلى الإنارة العمومية التي تغيب أكثر مما تحضر، إلى النقل الحضري الذي يهين كرامة المواطن، إلى مقاهي الشيشا التي تتكاثر في صمت مريب، إلى احتلال الملك العمومي الذي أصبح سياسة غير معلنة… هذه هي حصيلة عباس لومغاري ومن معه.
وبدل أن يلجأ الرئيس إلى حق الرد أو القضاء إن كان يعتبر ما نُشر كذبا، اختار أسلوب الانفعال والتهجم، في سلوك يسيء إلى مؤسسة الجماعة نفسها. رئيس جماعة لا يحترم الصحافة ولا المعارضة، لا يمكن أن يقنع الناس بأنه يحترم الساكنة.
والأخطر من ذلك أن عباس لومغاري ليس طارئا على تدبير مكناس. الرجل حاضر في مواقع القرار منذ سنة 1992، ولم يُسجَّل عليه يوما أنه صوّت ضد أي قرار «تخريبي» في المجالس السابقة، حتى حين كان يدّعي المعارضة. وبالتالي فهو شريك كامل في ما آلت إليه الأوضاع، ومسؤوليته السياسية والأخلاقية ثابتة.
لا يحق لمن كان جزءا من المشكلة لعقود أن يقدّم نفسه اليوم كضحية. ولا يحق لمن ساهم في إفراغ مكناس من روحها التنموية أن يغضب من مقال. مكناس لا تحتاج إلى رئيس يغضب من الصحافة… بل إلى رئيس يغضب من الخراب.
مكناس لا تحتاج إلى رئيسٍ ينزعج من أصوات الفاعلين والنشطاء في الفضاء الرقمي، بل إلى رئيسٍ ينصت بجدية لنبض الشارع المكناسي وهمومه. مكناس لا تحتاج إلى من يهاجم المعارضة… بل إلى من يحاسب الفشل. مكناس لا تحتاج إلى رئيسٍ يسيء إلى موقعه قبل أن يسيء إلى خصومه، ولا إلى من يحوّل مجلسًا دستوريًا إلى ساحة للسباب والتجريح.
مكناس تحتاج إلى من يعي أن الكلمة مسؤولية وأن المنصب أمانة، لا إلى من يبدّد هيبة المؤسسة بألفاظ منحطة في فضاء قال عنه الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله إنه « مدرسة لتكوين المسؤولين» وصناعة رجال قادرين على تدبير الشأن المحلي بعقل وبصيرة.
وأخيرا وليس آخرا، نهمس في أذن الرئيس لنقول له: إن الاتحاد الاشتراكي، حزبا وإعلاما ومعارضة، سيواصل فضح الرداءة، وكشف الاختلالات، والدفاع عن مكناس في وجه العبث السياسي، لأن هذه المدينة تستحق قيادة في مستوى تاريخها… لا إدارة تتقن صناعة الأعذار.