الغرب بعد العاصفة: أربعة أقاليم منكوبة و3 ملايير درهم لإعادة البناء .. فيضانات غير مسبوقة تختبر جاهزية الحكومة وتعيد طرح سؤال الوقاية

0

لم تكن الفيضانات التي اجتاحت سهل الغرب ومدينة القصر الكبير مجرد حادث عرضي مرتبط بتقلبات جوية عابرة، بل شكلت حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، سواء من حيث حجم التساقطات المطرية المسجلة، أو من حيث الامتداد الجغرافي للأضرار، أو كذلك من حيث طبيعة التدخل العمومي الذي أعقبها.
فخلال أيام قليلة، ارتفع منسوب الأودية بشكل لافت، وغمرت المياه أحياء سكنية وضيعات فلاحية ومسالك طرقية، ما تسبب في خسائر مادية معتبرة وأعاد إلى الواجهة هشاشة بعض البنيات أمام الظواهر المناخية القصوى.
إعلان رسمي: أربعة أقاليم مناطق منكوبة
في خطوة ذات حمولة قانونية واجتماعية قوية، تم إعلان أربعة أقاليم منكوبة بشكل رسمي، ويتعلق الأمر بكل من:
إقليم العرائش
إقليم القنيطرة
إقليم سيدي قاسم
إقليم سيدي سليمان
هذا التصنيف لا يحمل فقط دلالة رمزية، بل يُفعّل مقتضيات قانونية خاصة بالكوارث الطبيعية، تسمح بتسريع مساطر التعويض، وتعبئة اعتمادات مالية استثنائية، وإقرار تدابير اجتماعية عاجلة لفائدة الأسر المتضررة.
ويأتي هذا القرار بعد تقييم ميداني دقيق لحجم الخسائر التي مست السكن، والبنيات التحتية، والقطاع الفلاحي، خاصة في المناطق المنخفضة بسهل الغرب، حيث تحولت مساحات واسعة إلى ما يشبه بحيرات مؤقتة.
3 ملايير درهم: غلاف مالي غير مسبوق
في معطى دقيق ووازن، تم تخصيص غلاف مالي إجمالي يناهز 3 ملايير درهم لدعم ضحايا الفيضانات بالأقاليم الأربعة المعلنة منكوبة.
ويشمل هذا البرنامج الاستثنائي عدة محاور واضحة:
1. تعويض الأسر المتضررة
صرف تعويضات مباشرة للأسر التي تضررت مساكنها جزئياً أو كلياً، مع تمكينها من دعم لإعادة الترميم أو إعادة البناء، حسب حجم الضرر.
2. دعم الفلاحين
تقديم مواكبة مالية وتقنية للفلاحين الذين أتلفت المياه محاصيلهم وتجهيزاتهم، خاصة أن سهل الغرب يعد من أهم الأحواض الفلاحية بالمملكة، ويشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني.
3. إعادة تأهيل البنيات التحتية
إصلاح الطرق المتضررة، تقوية القناطر، إعادة تأهيل شبكات التطهير وتصريف مياه الأمطار، وضمان عودة الخدمات الأساسية إلى وضعها الطبيعي في أسرع وقت.
4. مساعدات اجتماعية ظرفية
مواكبة الأسر التي فقدت مصادر دخلها نتيجة توقف الأنشطة الفلاحية أو التجارية بسبب الفيضانات.
القصر الكبير: خسائر حضرية وضغط على البنيات
في مدينة القصر الكبير، تسربت المياه إلى عدد من الأحياء السكنية، وألحقت أضراراً بمحلات تجارية ومنازل، كما تأثرت بعض المرافق العمومية وشبكات الصرف الصحي. وقد استدعى الوضع تعبئة واسعة لمصالح الوقاية المدنية والسلطات المحلية، التي تدخلت لإجلاء بعض الأسر وتأمين المناطق الأكثر هشاشة.
السكان عبّروا عن ارتياحهم لإعلان الإقليم منكوباً، معتبرين القرار خطوة أولى في اتجاه إنصاف المتضررين، غير أنهم شددوا في الوقت ذاته على ضرورة تسريع مساطر الإحصاء وصرف التعويضات، وضمان الشفافية في تحديد المستفيدين.
خسائر فلاحية مؤثرة على الاقتصاد المحلي
في المجال القروي، كانت الخسائر أكبر من حيث المساحة والتأثير الاقتصادي. فقد غمرت المياه حقول الحبوب والخضر، وأثرت على بعض الضيعات الموجهة للتصدير، ما ينذر بانعكاسات محتملة على سلاسل الإنتاج المحلية.
ويرى مهنيون أن سرعة التدخل لدعم الفلاحين ستكون عاملاً حاسماً في إنقاذ الموسم الفلاحي، خاصة بالنسبة للفلاحين الصغار الذين يعتمدون بشكل كلي على مردودية هذه الزراعات لتأمين قوتهم السنوي.
بين الطابع الاستعجالي ورهان الاستدامة
رغم أهمية القرار المالي المعلن، إلا أن الفيضانات الأخيرة أعادت طرح سؤال أعمق يتعلق بمدى جاهزية البنيات التحتية لمواجهة التغيرات المناخية. فالمغرب يعيش على وقع مفارقة مناخية حادة: سنوات جفاف متتالية، تليها تساقطات مركزة في فترات زمنية قصيرة، ما يضاعف خطر الفيضانات المفاجئة.
ويجمع متتبعون على أن المرحلة المقبلة يجب أن تتجاوز منطق التدخل الظرفي، نحو:
تحديث شامل لشبكات تصريف مياه الأمطار.
منع البناء في مجاري الأودية والمناطق المهددة.
تعزيز أنظمة الإنذار المبكر.
إدماج البعد المناخي في سياسات التهيئة والتخطيط الحضري.
لحظة مفصلية لأقاليم الغرب
يشكل إعلان الأقاليم الأربعة منكوبة وتخصيص 3 ملايير درهم منعطفاً مهماً في تدبير الكوارث الطبيعية، سواء من حيث الاعتراف الرسمي بحجم الأضرار، أو من حيث التعبئة المالية الكبيرة الموجهة للضحايا، غير أن الرهان الحقيقي يبقى في القدرة على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة البناء وفق معايير أكثر صلابة وعدالة، حتى لا تتكرر نفس السيناريوهات مع كل موسم مطري استثنائي.
فالفيضانات قد تكون عابرة زمنياً، لكن آثارها الاجتماعية والاقتصادية قد تمتد طويلاً، ما لم تُقرن الاستجابة الآنية برؤية استراتيجية بعيدة المدى، تحمي الإنسان والمجال في آن واحد.