يحلّ شهر رمضان المعظّم، فيستحضر كلّ منا ما يختزله هذا الشهر العظيم من حمولة روحانية ودينية. فهو الشهر الذي لا يمسك فيه المسلم عن الأكل والشرب من الفجر إلى غروب الشمس فحسب، بل يتشبّع فيه بقيم دينية ونفحات ربانية سامية. وللأطفال نصيب من هذه الإشراقات الروحية؛ إذ يستشعرون، رغم صغر سنهم، ما لهذا الشهر الفضيل من فضائل جمّة، ويعتبرونه وقتًا للتعلّم والنمو الروحي.
خلال رمضان، يتعلّم الأطفال أهمية الصبر والتحمّل، ويتعرّفون إلى قيم العطاء والتراحم والتواضع، كما تترسّخ لديهم قواعد الإيمان والتقوى ويتعمّق فهمهم لمفاهيم العبادة والاحترام. وهو أيضًا فرصة لتقوية الروابط الأسرية من خلال الصلوات المشتركة، والإفطار الجماعي، ومشاركة لحظات التعبّد، مما يغرس في نفوسهم الشعور بالانتماء والدفء العائلي. ومن هنا تجتاحهم رغبة شديدة في الصيام وخوض غمار هذه التجربة التي تشكّل بالنسبة إليهم مصدر فخر واعتزاز.
غير أنّ رغبة الأطفال في الصيام تستوجب من الآباء والأمهات توخّي الحيطة والحذر، لما قد يسببه الصيام غير المناسب لأعمارهم من مضاعفات صحية، كالجفاف، وانخفاض نسبة السكر في الدم، وما قد ينجم عن ذلك من إرهاق أو مضاعفات قد تعرّض صحة الطفل للخطر.
ولتفادي هذه المخاطر، يُنصح بمنع الأطفال دون سن العاشرة منعًا كليًا من الصيام. أما بعد ذلك، فيُستحسن السماح لهم بالصيام بشكل تدريجي، شريطة أن يكون الطفل في صحة جيدة، وأن يتم الامتناع عن الأكل والشرب لفترات محدودة، مع الإفطار فور الشعور بالجوع أو العطش أو الإرهاق. كما ينبغي الحرص على تناول وجبة سحور متوازنة وغنية بالألياف والخضروات والبروتينات قليلة الدهون، مع تجنّب المملّحات والمواد السكرية التي تزيد الإحساس بالعطش والجوع.
ويُستحب أن تُقسّم وجبة الإفطار إلى قسمين دون المبالغة في تناول كميات كبيرة من الأطعمة الثقيلة التي يصعب هضمها. وبهذا الأسلوب الصحي، يمكن للصائم الصغير أن يجني فوائد عدة، من بينها تحسين وظائف الجهاز الهضمي، وتعزيز المناعة، والمحافظة على وزن متوازن، إلى جانب ترسيخ عادات غذائية سليمة.
أما الأطفال الذين لا يستطيعون الصيام بعد، فيمكن تشجيعهم على المشاركة في الأنشطة الدينية والاجتماعية، مثل الصلاة، وتوزيع الزكاة، ومساعدة المحتاجين، والمساهمة في إعداد مائدة الإفطار. فشهر رمضان ليس فقط صيامًا، بل هو مدرسة تربوية متكاملة تعلّم القيم، وتعزّز التضامن، وتُنمّي الحسّ الإنساني لدى الصغار والكبار على حد سواء.
د. شفيقة غزوي مسؤولة وحدة التواصل والإعلام مسؤولة برامج صحة الطفل المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية
جهة فاس–مكناس