من العاصمة .. شناقة رمضان ومضيق هرمز

0

ضربت حمّى الأسعار القدرة الشرائية للمواطن المغربي في مقتل طيلة شهر رمضان، في استمرار لموجة الغلاء التي اجتاحت جيوب المواطنين وعطّلت قدرتهم على مواجهة أعباء الحياة اليومية. فبدل أن يكون هذا الشهر مناسبة للتكافل والطمأنينة الاجتماعية، وجد أغلب المغاربة أنفسهم منشغلين فقط بتأمين الضروريات الأساسية، بعيدًا عن أي حلم بالرفاه أو حتى العيش الكريم.
الأكثر إثارة للانتباه أن موجة الغلاء هذه لم تقتصر على مادة أو قطاع بعينه، بل شملت تقريبًا كل ما يدخل إلى المائدة المغربية. فقد تجاوزت أسعار بعض الخضر الأساسية، مثل الطماطم، في فترات معينة 10 دراهم للكيلوغرام، بينما تراوحت أسعار البطاطس والبصل بين 5 و7 دراهم، في وقت يفترض أن تكون فيه هذه المنتجات في متناول الجميع. أما اللحوم الحمراء فقد لامست في عدد من المدن 100 إلى 120 درهمًا للكيلوغرام، في حين استقرت اللحوم البيضاء حول 20 إلى 25 درهمًا، وهي أرقام جعلت هذه المواد بعيدة عن قدرة فئات واسعة من الأسر ذات الدخل المحدود. وحتى الأسماك، التي يفترض أن تشكل بديلاً غذائياً أقل تكلفة في بلد يملك أكثر من 3500 كيلومتر من السواحل، تحولت بدورها إلى حلم للفقراء بعد أن تجاوزت أسعار بعض الأنواع الشعبية 25 و30 درهمًا للكيلوغرام.
المفارقة الكبرى أن هذا الغلاء يحدث في سياق يفترض أن يكون مريحًا للإنتاج الفلاحي. فقد عرفت البلاد خلال هذه السنة تساقطات مطرية مهمة أعادت الأمل للفلاحين ومربي الماشية، وكان المنتظر أن تنعكس هذه الظروف إيجابًا على وفرة العرض واستقرار الأسعار. غير أن الواقع جاء معاكسًا تمامًا، إذ بقيت الأسعار مرتفعة بشكل غير مبرر، ما يطرح أسئلة حقيقية حول دور الوسطاء وسلاسل التوزيع التي تلتهم هوامش الربح وتحوّل السوق إلى مجال مفتوح للمضاربة بدل أن يكون فضاءً لضبط التوازن بين المنتج والمستهلك.
ولا يقف الأمر عند حدود المواد الغذائية. فالمغاربة تابعوا كذلك ارتفاع أسعار المحروقات مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، في محاولة لتبرير موجة جديدة من الغلاء باسم “الأزمة الدولية”. غير أن هذا التبرير لم يعد يقنع أحدًا، خاصة وأن الأسعار ترتفع بسرعة مع كل توتر جيوسياسي، لكنها نادرًا ما تنخفض بالوتيرة نفسها عندما تهدأ الأوضاع. وهكذا أصبح اسم مضيق هرمز يُستدعى في كل مرة لتفسير الزيادات، وكأنه قدر دائم على جيوب المغاربة، بدل أن يكون مجرد ممر بحري لعبور التجارة العالمية.
وسط كل ذلك، يجد المواطن نفسه مرة أخرى في مواجهة ما يشبه “اقتصاد الفراقشية”، حيث يبسط المضاربون نفوذهم على مفاصل التزويد والتوزيع، ويتحول المستهلك إلى مجرد زبون من الدرجة الثانية، لا قيمة له في معادلة السوق إلا بقدر ما يدفع. أما الجودة والضمان الصحي، فغالبًا ما يتم التغاضي عنهما في ظل غياب آليات رقابة صارمة وفعّالة قادرة على ردع المضاربين وحماية المستهلك.
إن استمرار هذا الوضع يكشف بوضوح حجم الخلل في السياسات الاجتماعية والاقتصادية. ففي غياب حكومة اجتماعية حقيقية تجعل حماية القدرة الشرائية أولوية، سيظل المواطن عرضة للابتزاز والتفقير وامتهان الكرامة اليومية. وحينها لن يبقى أمام المغاربة سوى التعبير عن موقفهم عبر صناديق الاقتراع، التي ستفتح أبوابها في شتنبر المقبل، لتكون مرة أخرى فرصة لمحاسبة “الشناقة” في السوق… كما في السياسة، وهو الأخطر.

. ففي غياب حكومة