خنيفرة تخلد الذكرى 105 لاستشهاد موحى وحمو الزياني في تظاهرة تستحضر ملاحم المقاومة وتعزز صون الذاكرة الوطنية

0

أحمد بيضي

خلد إقليم خنيفرة، يوم الثلاثاء 31 مارس 2026، بمنتجعات تملاكت، الذكرى الخامسة بعد المائة لاستشهاد البطل المقاوم موحى وحمو الزياني، في أجواء وطنية مهيبة عكست عمق الارتباط بالذاكرة التاريخية للمقاومة المغربية، وذلك بحضور المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الدكتور مصطفى الكثيري، وعامل إقليم خنيفرة محمد عادل إيهوران، وأطر النيابة الاقليمية لهذه المندوبية، إلى جانب شخصيات قضائية وعسكرية ومدنية ومنتخبة، وفعاليات جمعوية وسياسية وتربوية، فضلا عن حشد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
واستهلت هذه المناسبة بزيارة جماعية لضريح الشهيد موحى وحمو الزياني، حيث استحضر الحاضرون رمزية هذا القائد التاريخي الذي شكل أحد أبرز أعمدة المقاومة بالأطلس المتوسط، قبل أن ينتقل الوفد إلى معرض للفنون التشكيلية أبدعته تلميذات وتلاميذ ورشة الرسم بمؤسسة التفتح للتربية والتكوين تحت تأطير ذة. فوزية المالكي، حيث جسدت اللوحات ملاحم المقاومة وبطولات الزياني في بعد تربوي يهدف إلى ترسيخ قيم المواطنة وربط الأجيال الصاعدة بتاريخها الوطني.
وبينما تخللت هذه الفقرات عروض ومقاطع موسيقية وطنية قدمها تلميذات وتلاميذ ورشة الموسيقى بتأطير ذ. يوسف الرشيد، شاركت ورشة الصوت والصورة، بإشراف ذ. محمد اباحسين، مهمة التوثيق الإعلامي لمختلف فقرات هذا الحدث، في إطار تثمين الذاكرة الجماعية وضمان نقلها للأجيال القادمة، ذلك قبيل الإشراف على تتويج الفائزين في مسابقة فنية، لينتقل الحضور إلى مهرجان خطابي افتُتح بكلمات بالمناسبة، من بينها كلمة رئيس جماعة أكلمام أزكزا، الذي ذكر بالدلالات الرمزية لتخليد ذكرى الشهيد.
وفي كلمته، استعرض المندوب السامي، الدكتور الكثيري، المسار التاريخي للزياني، منذ ولادته حوالي سنة 1857، مرورا بتعيينه قائدا على قبائل زيان من طرف السلطان المولى الحسن الأول سنة 1886، حيث تمكن في ظرف وجيز من توحيد القبائل الزيانية وتوسيع نفوذه ليشمل قبائل آيت خويا وآيت بوهو وآيت شارظ وآيت سكوكو، إضافة إلى قبائل آيت اشقيرن وآيت سخمان وبني مكيلد الغربية وكروان الشرقية، ممتدا شرقا إلى آيت يوسي وغربا إلى آيت ويرا، ومتخذا من خنيفرة عاصمة للقبائل الزيانية ومركزا لسلطته.
وأكد الكثيري أن هذه الذكرى تمثل محطة متجددة لإذكاء التعبئة الوطنية من أجل صيانة التاريخ المغربي، مبرزا الدلالات العميقة لشخصية موحى وحمو الزياني الذي ظل رمزا موحدا لجماهير الفلاحين وسكان الجبال في مواجهة الاستعمار، رغم اختلال موازين القوى، وفي استحضار دقيق للسياق التاريخي، أشار المندوب السامي إلى محاولات المستعمر الفرنسي بسط نفوذه على خنيفرة سنة 1914، غير أن كل المحاولات اصطدمت بصمود الزياني، الذي اعتبر من أبرز قادة المقاومة وأكثرهم عنادا في مواجهة المشروع الاستعماري.
كما استعرض الكثيري مختلف المعارك التي خاضها المجاهد الزياني، انطلاقا من معركة مديونة سنة 1908، مرورا بمواجهات سهول سايس وزمور وزعير، من بينها معركة تافودايت بآيت أوريبل (أبريل 1912)، ومعركة آكوراي بكروان جنوب مكناس (ماي 1912)، ومعارك عين الزحيليكة وقطب العبد وسيدي قاسم الأخضر بمنطقة زعير، ومعركة سيدي عبد السلام ببني مطير (يونيو 1912)، ثم معركة وارغوس بوادي زم (25 مارس 1913)، ليتوقف المتحدث عند تمكن القوات الاستعمارية من ربط شرق المغرب بغربه عبر ممر تازة في ماي 1914.
ذلك قبل أن تتجه أنظار القوات الاستعمارية نحو الأطلس المتوسط وخنيفرة، التي شكلت قلعة صامدة ومركزا للمقاومة، وهو ما عبر عنه المقيم العام ليوطي في 2 ماي 1914 بقوله إن “بلاد زيان تمثل خطرا فعليا على الوجود الاستعماري بسبب علاقاتها المستمرة مع القبائل”، وأمام الحصار العسكري المكثف والهجمات المتكررة، اعتمد الزياني استراتيجية جديدة تمثلت في إخلاء خنيفرة، التي دخلتها القوات الفرنسية بقيادة العقيد هنريس في 12 يونيو 1914، قبل أن تتجه هذه القوات إلى تدبير هجوم مباغت على معسكر المجاهدين بقرية لهري يوم 13 نونبر 1914.
ورغم تسخيرها لإمكانيات عسكرية كبيرة بالآليات والوسائل الحربية الثقيلة والمتطورة وبحشد أعداد هائلة من الجنود،  وتطويقا من أربع جهات، انتهت القوات الاستعمارية في معركة لهري الشهيرة بالانتصار الكبير للمقاومين، بعدما كبدت القوات الفرنسية هزيمة وصفت بأنها غير مسبوقة على مستوى شمال إفريقيا، ذلك بعدما التحقت قبائل زيان والقبائل المجاورة، من بينها آيت اشقيرن وآيت امحند وآيت اسحاق وآيت سكوكو وآيت سخمان وآيت مكيلد، بصفوف المجاهدين، حيث تمكنوا من محاصرة القوات الفرنسية وإلحاق خسائر جسيمة بها.
وظل موحى وحمو الزياني، يضيف الكثيري، صامدا في مواجهة الاستعمار الفرنسي، متمسكا بخيار المقاومة ورافضا كل أشكال الاستسلام، إلى أن استشهد يوم 27 مارس 1921، عن عمر ناهز 64 سنة، إثر عملية غدر خلال معركة أزلاك نتزمورت بجبل تاوجكالت، أثناء تصديه لقوات الجنرال بوميرو، ليسدل بذلك الستار على مسيرة حافلة بالكفاح والتضحيات، قبل أن يوارى الثرى بتملاكت بإقليم خنيفرة، على بعد نحو 50 كيلومترا من المدينة، حيث ما يزال ضريحه شاهدا على رمز من رموز البطولة الوطنية.
وشهدت مناسبة الحفل أيضا تكريم 8 من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير المنتمين للإقليم، سبعة منهم متوفون، حيث نوه الدكتور الكثيري بتضحياتهم وإسهاماتهم في معركة التحرير، كما تم تقديم 25 إعانة مالية لفائدة قدماء المقاومين وأرامل المتوفين منهم، بغلاف مالي إجمالي بلغ 50 ألف درهم، في مبادرة تجسد قيم الاعتراف والوفاء، واختتمت فعاليات هذا التخليد بالتأكيد على أن صون الذاكرة التاريخية بما يضمن استمرار شعلة الانتماء والاعتزاز بالهوية المغربية.