تغذية المرضع: رهان استراتيجي لصحة الأم والطفل وبوابة لتعزيز الرأسمال البشري بالمغرب

0

في سياق الرهانات الوطنية الكبرى المرتبطة بتعزيز الرأسمال البشري وتحسين مؤشرات الصحة العمومية، تبرز تغذية المرأة المرضع كأحد المفاتيح الأساسية لضمان انطلاقة سليمة للأجيال الصاعدة، وحماية صحة الأم على حد سواء. فبعد مرحلة الحمل والولادة، تدخل المرأة مرحلة دقيقة تتطلب عناية غذائية خاصة، ليس فقط لإنجاح تجربة الرضاعة الطبيعية، بل أيضًا لاستعادة توازنها الجسدي والنفسي.

تشكل التغذية الجيدة خلال فترة الرضاعة دعامة رئيسية لإنتاج حليب الأم بكميات كافية وجودة عالية، بما يلبي حاجيات الرضيع الغذائية والمناعية. كما تساهم في تجديد مخزون الجسم من العناصر الأساسية، وتمكين الأم من استرجاع وزنها الطبيعي بشكل تدريجي وصحي، دون التأثير سلبًا على صحتها.

وتشير المعطيات العلمية إلى أن المرأة المرضع تحتاج إلى زيادة في السعرات الحرارية تقدر بحوالي 330 سعرة يوميًا خلال الأشهر الستة الأولى من الرضاعة، لترتفع إلى نحو 500 سعرة يوميًا خلال الأشهر الستة الموالية، مقارنة بفترة ما قبل الحمل. هذه الزيادة ضرورية لتغطية متطلبات إنتاج الحليب وتوفير الطاقة اللازمة للقيام بالوظائف الحيوية اليومية.

غير أن هذه الزيادة في الطاقة يجب أن تكون مبنية على نظام غذائي متوازن ومتنوع، يشمل مختلف العناصر الغذائية الأساسية، من بروتينات ودهنيات وسكريات، إضافة إلى الفيتامينات والمعادن الضرورية، خصوصًا الحديد والكالسيوم. كما يُنصح بالإكثار من تناول الأغذية الغنية بالألياف، مع الحرص على شرب كميات كافية من الماء لضمان ترطيب الجسم وتحسين عملية الإرضاع.

وفي المقابل، قد يؤدي سوء التغذية خلال هذه المرحلة إلى مجموعة من المضاعفات الصحية، مثل ضعف الجهاز المناعي، والشعور المستمر بالتعب والإرهاق، بل وقد يؤثر سلبًا على جودة وكمية حليب الأم، مما ينعكس مباشرة على صحة الرضيع ونموه.

ولا تقف أهمية التغذية السليمة عند حدود ما بعد الولادة، بل تمتد لتشمل فترة الحمل، حيث ينبغي اعتماد نظام غذائي صحي وآمن منذ البداية، مع الالتزام بتناول المكملات الغذائية الدقيقة وفق التوصيات الطبية، انسجامًا مع الاستراتيجيات الوطنية التي تعتمدها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية للنهوض بصحة الأم والطفل.

إن الاستثمار في تغذية المرأة المرضع ليس مجرد خيار صحي، بل هو قرار استراتيجي ينعكس إيجابًا على المجتمع ككل، من خلال المساهمة في بناء جيل سليم وقادر على الإنتاج والعطاء.

د. شفيقة غزوي
مسؤولة وحدة التواصل والإعلام
مسؤولة صحة الطفل
المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية
جهة فاس مكناس