التجديد الحضري أم التهجير الناعم؟ درب مولاي الشريف في قلب معركة الذاكرة والعقار

0

يعيش الحي المحمدي، أحد أعرق الأحياء الشعبية بمدينة الدار البيضاء، على وقع وضعية مركبة تضعه بين إرث تاريخي عريق وتحديات حضرية متزايدة. فالحي الذي ظل لعقود عنوانا بارزا للمقاومة الوطنية ومهدا للنضال، ومنبتا لأسماء وازنة طبعت الساحة الفنية والرياضية المغربية، يواجه اليوم تحولات عميقة في إطار مشاريع إعادة التأهيل الحضري بمنطقة الحي المحمدي وخصوصا بدرب مولاي الشريف، حيث تقادم البنيات العمرانية جعل من عدد من بناياته منشآت آيلة للسقوط، وقد شملت عمليات الهدم أجزاء منه، مخلفة وراءها أراض فارغة وآثارا واضحة على المشهد العمراني. ومع حلول أبريل 2026، لا يزال درب مولاي الشريف يعرف تفاعلا مستمرا من طرف الساكنة، التي تعبّر عن انشغالاتها وتساؤلاتها بشأن مآل هذه التحولات. وتتلخص أبرز التحديات المطروحة في:
ضبابية ملف إعادة الإسكان: غياب رؤية واضحة أو معطيات كافية بشأن البدائل السكنية للأسر المعنية بالإفراغ أو المتضررة من الهدم.
تحولات الهوية العمرانية: تخوفات من فقدان الطابع التاريخي للحي في حال عدم مراعاة خصوصياته خلال عمليات إعادة التهيئة.
الهشاشة الاجتماعية: تزايد الصعوبات الاجتماعية لدى بعض الأسر التي وجدت نفسها في وضعية انتقالية بعد الهدم.

من ملاك إلى مكترين :
سنوات من الانتظار

بدأت هذه الوضعية قبل حوالي خمس سنوات، حين باشرت السلطات عمليات هدم المنازل الآيلة للسقوط بدرب مولاي الشريف، في إطار إجراءات تهدف إلى حماية سلامة السكان. غير أن هذه العمليات، بحسب شهادات متضررين، لم تُواكب دائما بحلول سكنية فورية.
اليوم، لا تزال مجموعة من الأسر التي هُدمت منازلها ما بين 2020 و2022 في انتظار تسوية وضعيتها، حيث اضطرت إلى اللجوء إلى كراء مساكن بديلة، في ظل ارتفاع تكاليف الإيجار. ويصف بعض السكان هذه المرحلة بالانتقالية الصعبة، في انتظار حلول نهائية.
في هذا الإطار أكد مصطفى أمولي الخمار، أحد ساكنة درب مولاي الشريف المتضررين من الوضع الراهن، أن الملاك باتوا ‘بين نارين’: نار تكاليف البناء الباهظة، ونار التخوف من أداء ‘الضريبة على الأراضي العارية’ التي خلّفها الهدم. مبرزا أن السكان واجهوا صعوبة بالغة في استيعاب مضامين مخطط التهيئة (SRU)، وهو ما دفعهم لطرق أبواب المسؤولين طلبا للتوضيح دون جدوى، مما أبقى الغموض سيد الموقف حول مصير ممتلكاتهم، وتصاعد المخاوف من نزع الملكية أو الإفراغ، أو الإجبار على تشييد بنايات تتجاوز أربعة طوابق، وهو أمر يفوق القدرة المالية للساكنة.
لقد غرق السكان في بحر من الشكوك والأسئلة التي لا إجابات لها، يضيف المتحدث، وسط قناعة تسود بينهم بأن هذا التصميم يهدف إلى تجريدهم من منازلهم وتشريدهم. وتتلخص مطالب الساكنة في الحفاظ على أراضيهم، وترميم المنازل القائمة، أما تلك التي استوجبت الهدم فيجب إعادة بنائها وفق معايير تحترم رغبات السكان وتحافظ على الواجهات التاريخية والتراثية كجزء من هوية الحي.
وفي السياق ذاته، تساءل المتحدث عن مصير 400 عائلة غير مستفيدة، وعن مصادر التمويل اللازمة لمثل هذه المشاريع في ظل ضيق الوقت الممنوح للمواطنين لتقديم ملاحظاتهم خلال عرض مشروع التهيئة على العموم ، حيث تم تجميع قرابة 500 توقيع تعبر في مجملها عن الرفض المطلق لهذا المخطط والتمسك بالبقاء في المنطقة. كما حذّر من أن تهجير السكان الأصليين واستبدالهم بآخرين يعني محو ذاكرة الحي المحمدي نهائيا، سواء في شقها العمراني أو البشري. مؤكدا أن هدف الساكنة هو الدفاع عن حقوقهم وإيصال صوتهم، معلنا أن تنسيقية باسمهم راسلت جميع الجهات المعنية، مطالبة مجلس المدينة والوكالة الحضرية للدار البيضاء برفض هذا المخطط لكونه لا يخدم مصلحة الساكنة.

نقاش حول مشروع
التهيئة الحضرية

أثار مشروع تصميم التهيئة الجديد، الذي يصنف أجزاء من المنطقة ضمن “قطاع التجديد الحضري”، نقاشا واسعا بين الساكنة والمنتخبين.
وفي هذا السياق، عبّر بعض السكان عن تخوفهم من تأثير هذا التصنيف على وضعيتهم العقارية، خاصة في ما يتعلق بشروط البناء أو إعادة التهيئة. كما أشاروا إلى ضرورة توضيح مضامين المشروع بشكل أدق.
من جهته، صرح مروان الراشدي، النائب الأول لرئيس مقاطعة الحي المحمدي، بأن النقاش الدائر حول مخطط تهيئة الحي المحمدي كشف عن مجموعة من المقتضيات التي لا تتناسب مع احتياجات السكان ولا مع آراء المنتخبين، لا سيما في مناطق ‘درب مولاي الشريف’، و’بلوك الرياض’، و’درب السعد’.
وأوضح الراشدي أن المخطط صنّف هذه المناطق ضمن خانة ‘التجديد الحضري’، دامجا مناطق آمنة ومستقرة -مثل بلوك الرياض ودرب السعد- مع منطقة درب مولاي الشريف التي تعيش واقع الهدم والإفراغ، مؤكدا أن معالجة وضعية هذه الأخيرة يجب أن تتم عبر الحوار المباشر مع ملاك الأراضي واحترام حقهم في استغلال ممتلكاتهم. وأضاف أن هذا التوجه أدى إلى حالة من الارتباك الكبير وسط الساكنة.
وشدد النائب الأول لرئيس المقاطعة على أن دور المنتخبين يتمثل في إبداء الرأي، وهو ما تجسد في الرفض القاطع لمخطط التهيئة الحالي، والمطالبة بسحبه وإعادة دراسته وفق مقاربة تشاركية تدمج السكان والمنتخبين، وبإشراك مكتب دراسات مختص يضع مصلحة المواطنين فوق كل اعتبار.
وفيما يخص منطقة درب مولاي الشريف، أشار الراشدي إلى وجود 400 أسرة لا تزال وضعيتها غير مستقرة، نظرا لكون الشركة المكلفة من طرف مجلس المدينة لم توفر العقار المخصص لإعادة إيوائهم بعد. وحذّر من أن إضافة هؤلاء إلى آلاف السكان المحتمل ترحيلهم من ‘بلوك الرياض’ و’درب السعد’ سيفاقم الأوضاع ويخلق إشكالات معقدة على كافة المستويات. واختتم بالتأكيد على رفض المنتخبين لهذا الوضع، معربا عن أمله في أن تستجيب الوكالة الحضرية لهذا المطلب المشروع، حماية لمصالح الساكنة وضمانا لحقها في الاطلاع على ما يُخطط لمستقبلها.
وكان أعضاء مجلس مقاطعة الحي المحمدي بالدار البيضاء قد صوتوا على رفض مشروع تصميم التهيئة الجديد، وذلك خلال دورة استثنائية عُقدت يوم الجمعة 3 أبريل 2026. وجاء هذا القرار الحاسم استجابة لحالة “الغليان والاحتقان” التي سادت أوساط الساكنة والفاعلين المحليين منذ عرض المشروع للعموم.
وانصبت مداخلات أعضاء المجلس حول التضامن المطلق مع سكان أحياء (درب مولاي الشريف، درب السعد، وحي الرياض…)، الذين عبروا عن رفضهم القاطع لأي مشروع يهدد وجودهم التاريخي بالحي. واعتبر المستشارون أن الصيغة الحالية للمشروع تهدد بـ “قتل الحي” تدريجيا عبر مخططات الهدم الشامل ونزع الملكية، محذرين من مخاطر تهجير الساكنة خارج أسوار الحي المحمدي العريق.
وهكذا تمخضت الدورة الاستثنائية عن الرفض والسحب الفوري بتقديم ملتمس استعجالي للوكالة الحضرية ووزارة الداخلية لسحب المشروع وإعادة النظر في مرتكزاته مع المطالبة بفتح حوار حقيقي ينصت لهموم الساكنة ويشركهم في وضع تصور جديد يوازن بين متطلبات التنمية الحضرية والحفاظ على الذاكرة الجماعية.
وتم التأكيد على ضرورة صياغة رؤية تضمن حقوق الملاك، وتحافظ على النسيج العمراني والاجتماعي، وتصون الطابع التراثي لهذه الأحياء كما تمت دعوة البرلمانيين وممثلي مجلس المدينة للتدخل العاجل للترافع عن هذا الملف وحماية هوية المنطقة.
ويبقى الرهان، بحسب متتبعين، على فتح قنوات حوار فعّالة بين جميع الأطراف، بما يساهم في بلورة حلول متوازنة تستجيب لمتطلبات التنمية وتحافظ في الآن ذاته على حقوق الساكنة ومصالحها وتحافظ على تاريخ الحي المحمدي وفي قلبه درب مولاي الشريف.