خبراء وباحثون يناقشون التحولات الديموغرافية والسوسيو اقتصادية ورهانات السياسات العمومية بجهة بني ملال خنيفرة

0
أحمد بيضي
في سياق التحولات البنيوية المتسارعة التي تعرفها جهة بني ملال خنيفرة على المستويات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، تحتضن كلية الاقتصاد والتدبير بجامعة السلطان مولاي سليمان يوم 19 ماي 2026 ندوة علمية تنظمها المديرية الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط بجهة بني ملال خنيفرة، بشراكة مع جامعة السلطان مولاي سليمان، تحت عنوان: “السياسات العمومية في ظل التحولات الديموغرافية والسوسيو اقتصادية بجهة بني ملال خنيفرة”، وذلك بمناسبة إصدار التقرير الجهوي حول الدينامية الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية بالجهة وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.
وتأتي هذه المبادرة العلمية في لحظة دقيقة تشهد فيها الجهة تحولات عميقة تعيد تشكيل ملامحها المجالية والبشرية، وتفرض في المقابل أسئلة جديدة على مستوى التخطيط الترابي ونجاعة السياسات العمومية وقدرتها على مواكبة التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، فالتحولات التي كشفت عنها نتائج الإحصاء الأخير لا تتعلق فقط بالأرقام والمؤشرات الإحصائية، وفق أرضية الندوة، بل تعكس انتقالا تدريجيا نحو واقع مجالي جديد، تتداخل فيه رهانات الشيخوخة الديموغرافية، والتحولات الأسرية، والهشاشة الاجتماعية، والفوارق المجالية، مع تحديات التشغيل والتعليم والسكن والعدالة الاجتماعية.
وأمام ما كشفت عنه أرضية الندوة، لم يعد التخطيط مجرد أداة تقنية لتدبير المجال، بل تحول إلى رهان استراتيجي يقتضي استحضار البعد الديموغرافي في بلورة السياسات العمومية وضمان استدامتها ونجاعتها، حيث تفتتح أشغال هذه الندوة بجلسة رسمية تتضمن كلمات لكل من والي جهة بني ملال خنيفرة، ورئيس جامعة السلطان مولاي سليمان، والمدير الجهوي للمندوبية السامية للتخطيط بجهة بني ملال خنيفرة، إلى جانب كلمة عميد كلية الاقتصاد والتدبير ببني ملال، حيث يرتقب أن تركز الكلمات الافتتاحية على أهمية نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى باعتبارها أرضية مرجعية لتوجيه السياسات العمومية ورسم معالم التنمية الجهوية المستقبلية.
أما الجلسة العلمية الأولى، فيسيرها جواد الغلفقي، أستاذ بمختبر البحث في الابتكار والسياسات الاقتصادية والتنمية، وتخصص، وفق الملخصات، لقراءة التحولات الديموغرافية والاقتصادية والمجالية بالجهة، حيث تستهل أشغالها بمداخلة لسلمى مجيب، المهندسة بالمديرية الجهوية للتخطيط بجهة بني ملال خنيفرة، حول “التحولات الديمغرافية بجهة بني ملال خنيفرة”، حيث تتناول التحولات المرتبطة بالنمو السكاني والتحضر وبداية شيخوخة الساكنة وتراجع الخصوبة وتغير أنماط الزواج والبنيات الأسرية.
وتقدم عائشة العلوي، رئيسة شعبة الاقتصاد والتدبير بجامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال، مداخلة بعنوان “تحولات السياسات الاقتصادية بين المجالين الحضري والقروي في جهة بني ملال – خنيفرة (2014-2024)”، تتناول من خلالها الاختلالات البنيوية التي تعكسها المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وكيف أن التعاكس الديموغرافي بين النمو الحضري الضعيف والتراجع القروي يعكس محدودية السياسات الاقتصادية في تحقيق تنمية مجالية متوازنة خلال العقد الأخير، خاصة في ما يتعلق بالتشغيل وإدماج النساء بالعالم القروي وتحسين الخدمات الأساسية.
كما يشارك محسن إدالي، مدير قطب الدراسات في الدكتوراه بجامعة السلطان مولاي سليمان، بمداخلة حول “السياسات العمومية، الواقعية التطبيقية والبعد الجيوسياسي”، يتناول فيها، حسب الملخصات، الفجوة القائمة بين النصوص القانونية وواقع تنزيل السياسات العمومية، في ظل تأثير التحولات الدولية والأزمات الطاقية والغذائية والرهانات الجيوسياسية على القرار العمومي الوطني، مع الدعوة إلى بلورة سياسات عمومية أكثر مرونة وقدرة على التوفيق بين الحاجيات المحلية والإكراهات الدولية.
وفي محور الفقر والاستهداف الترابي، يقدم ابن سعيد بختاوي، رئيس مصلحة التخطيط بالمديرية الجهوية للتخطيط بجهة بني ملال خنيفرة، قراءة في خريطة الفقر متعدد الأبعاد بالجهة، من خلال تحليل تطور مؤشرات الهشاشة الاجتماعية والفوارق الترابية، وإبراز الأثر الإيجابي لسياسات الاستهداف المجالي، رغم استمرار التفاوتات الإقليمية والجماعية.
وتتواصل أشغال الندوة ضمن الجلسة العلمية الثانية التي يسيرها عبد الكريم أعرام، رئيس مصلحة الموارد البشرية بالمديرية الجهوية للتخطيط، حيث تقدم أمال الحرفي، المهندسة بالمديرية الجهوية للتخطيط بجهة بني ملال خنيفرة، مداخلة حول “تحولات بنية الأسر وظروف السكن بجهة بني ملال خنيفرة”، تستعرض من خلالها التغيرات المرتبطة بعدد الأسر ومتوسط حجمها وخصائص أرباب الأسر، إلى جانب التحسن المسجل في الولوج إلى السكن العصري والكهرباء والماء الصالح للشرب وشبكات التطهير، مع إبراز الفوارق المستمرة بين الوسطين الحضري والقروي.
كما يشارك عبد الرحيم لغماري، المدير الجهوي للسكنى وسياسة المدينة، بمداخلة حول “دينامية برامج السكن وآثارها على السياسات العمومية”، يستعرض فيها، وفق الملخصات دائما، جهود قطاع السكنى وسياسة المدينة في القضاء على مظاهر السكن غير اللائق، سواء تعلق الأمر بالسكن الصفيحي أو المهدد بالانهيار أو الناقص التجهيز، إلى جانب الأدوار التي تضطلع بها برامج السكن في تعزيز التماسك الاجتماعي وتقليص الفوارق المجالية وتحسين جاذبية المدن وتأهيل البنيات التحتية وصيانة التراث المعماري ومواكبة أوراش الجهوية المتقدمة.
وتختتم الجلسة العلمية الثانية بمداخلة لصلاح الدين صالحي، الأستاذ بمختبر البحث في الابتكار والسياسات الاقتصادية والتنمية، حول “من التعليم شبه الشامل إلى الأمية المستمرة: تحديات العدالة التعليمية في منطقة بني ملال وخنيفرة”، حيث يقدم قراءة تحليلية لمحددات النجاح الدراسي والاستمرارية التعليمية لدى الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و29 سنة، اعتمادا على نموذج لوجيستي لتحليل أثر الجنس ووسط الإقامة والإقليم وحجم الأسرة ومستوى تعليم رب الأسرة وظروف السكن على المسارات التعليمية، مع إبراز حالة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتأثيرها في فرص التمدرس والاستمرار الدراسي.
واستنادا لمعطيات الإحصاء السكاني لسنة 2024، دخلت جهة بني ملال خنيفرة، حسب أرضية الندوة، مرحلة ديموغرافية جديدة تتسم ببطء واضح في النمو السكاني، حيث لم يتجاوز معدل النمو السنوي خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2024 نسبة 0.02 في المائة، في مؤشر يعكس التحول التدريجي الذي تعرفه البنية السكانية بالجهة، على غرار ما تعرفه باقي جهات المملكة، كما أبرزت نتائج الإحصاء تراجعا في معدلات الخصوبة، وتغيرا في أنماط الزواج والبنيات الأسرية، إلى جانب انخفاض متوسط حجم الأسرة إلى 4.1 أفراد، مقابل ارتفاع مؤشرات الشيخوخة الديموغرافية، بعدما ارتفعت نسبة السكان البالغين 60 سنة فما فوق من 10 إلى 15.2 في المائة.
ولا تنفصل هذه التحولات الديموغرافية عن متغيرات اجتماعية واقتصادية عميقة، تعكس في الآن ذاته مكتسبات تنموية مهمة واختلالات بنيوية لا تزال تلقي بظلالها على واقع الجهة، ففي قطاع التعليم، سجلت الجهة تراجعا ملحوظا في معدل الأمية، الذي انخفض من 39.1 في المائة سنة 2014 إلى 32 في المائة سنة 2024، غير أن هذا التحسن لا يخفي استمرار تفاوتات صارخة حسب الجنس ووسط الإقامة، حيث تصل نسبة الأمية في صفوف النساء إلى 40.9 في المائة على المستوى الجهوي، فيما تبلغ وسط أرباب الأسر بالعالم القروي 56.6 في المائة، وفي المقابل، بلغت نسبة تمدرس الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 6 و11 سنة حوالي 96.2 في المائة.
أما على المستوى الاقتصادي، تضيف الأرضية، فقد كشفت نتائج الإحصاء عن تراجع معدل النشاط الاقتصادي من 43.7 في المائة سنة 2014 إلى 37.3 في المائة سنة 2024، في ظل استمرار ضعف إدماج النساء في سوق الشغل، حيث لا تتجاوز نسبة نشاطهن 11.2 في المائة، مع تسجيل انهيار أكبر لدى المرأة القروية، بعدما تراجع معدل نشاطها من 10.4 إلى 6.1 في المائة خلال العقد الأخير. كما تعكس المعطيات صعوبة ولوج الشباب إلى سوق الشغل، وهيمنة القطاع الخاص والعمل الهش والعمل الذاتي، إلى جانب اتساع الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المجالين الحضري والقروي.
وفي ما يتعلق بالبنيات الأساسية وظروف العيش، أظهرت معطيات الإحصاء تحسنا نسبيا في مؤشرات الولوج إلى الخدمات الأساسية، حيث ارتفعت نسبة الربط بالكهرباء إلى 95.8 في المائة، والماء الصالح للشرب إلى 82.6 في المائة، وشبكات التطهير إلى 54 في المائة، إلى جانب تطور أنماط السكن وتراجع السكن غير اللائق، غير أن هذه المكتسبات لا تحجب استمرار التفاوتات المجالية، خاصة بالعالم القروي، إذ تبلغ نسبة الولوج إلى الماء الصالح للشرب 96.6 في المائة بالوسط الحضري مقابل 65.5 في المائة فقط بالوسط القروي، فيما تصل نسبة الربط بشبكات الصرف الصحي إلى 92.1 في المائة بالمجال الحضري مقابل 7.6 في المائة فقط بالمجال القروي.
وتبرز معطيات الإحصاء كذلك تراجعا في معدلات الفقر متعدد الأبعاد خلال العشرية الأخيرة، حيث انخفضت نسبة السكان في وضعية فقر متعدد الأبعاد بـ7.5 نقاط مئوية، خاصة بالعالم القروي، غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي استمرار فوارق ترابية وإقليمية واضحة، ما يجعل من الفقر متعدد الأبعاد ظاهرة قروية بامتياز، ويطرح من جديد سؤال فعالية سياسات الاستهداف الترابي والعدالة المجالية، وأمام هذه التحولات المتشابكة، تطرح الندوة العلمية المنظمة ببني ملال سؤال ملاءمة السياسات العمومية مع الحاجيات المتجددة للساكنة، سواء في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والسكن، أو على مستوى التماسك الاجتماعي وتقليص الفوارق المجالية.
ويراهن منظمو ندوة “السياسات العمومية في ظل التحولات الديموغرافية والسوسيو اقتصادية بجهة بني ملال خنيفرة” على أن تشكل محطة أكاديمية ومؤسساتية لتقوية النقاش العمومي حول مستقبل التنمية بالجهة، وفرصة لإعادة التفكير في السياسات العمومية انطلاقا من التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي كشفت عنها نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بما يساهم في بناء نموذج تنموي جهوي أكثر توازنا واستدامة وقدرة على تحقيق العدالة المجالية والتماسك الاجتماعي.