مشروع تثنية الطريق خنيفرة – أبي الجعد نحو الدارالبيضاء … من التزامات الوزير إلى تراجع مثير للجدل
أحمد بيضي
رغم أن الآمال قد علّقت طويلاً على وعود وزارة نزار بركة بشأن مشروع الطريق الحيوي الذي كان من شأنه أن يربط خنيفرة بمسارات تنموية أوسع، فإن واقع الحال يكشف اليوم عن تنصل صريح من الالتزامات والوعود المعلنة، في مشهد بات مألوفا في إقليم دأب على أن يدرج في الخذلان كلما تعلق الأمر بمشاريع كبرى، ومشروع الطريق هذا ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإقصاءات التي طالت خنيفرة.
في ظل التراكم المزمن للخيبات، لم يعد التذمر الرقمي على مواقع التواصل الاجتماعي كافيا أو مجديا، ما يحتاجه الوضع هو مساءلة ميدانية جادة، تتجاوز سطح الخطاب إلى عمق الإشكال، وتفتح نقاشا واقعيا في مكامن الخلل، حيث تصاعدت الاقصاءات من غياب نواة جامعية، إلى تأخر إحداث مندوبيات ثقافية وسياحية، وحرمان الإقليم من استثمارات مهيكلة ومناطق صناعية قادرة على امتصاص البطالة المتفشية، ناهيك عن تعثر مشاريع الطرق السريعة.
رغم كل المؤشرات التي كانت تدفع إلى التفاؤل لدى البعض، وإلى عدم الإطمئنان للوعود بما يكفي لدى الكثيرين، فُوجئت ساكنة إقليم خنيفرة، ومعها المتتبعون للشأن التنموي بالجهة، بإقصاء مشروع تثنية الطريق الجهوية رقم 710، الرابطة بين خنيفرة وأبي الجعد، من قائمة المشاريع الطرقية التي تم الإعلان عنها خلال زيارة وزير التجهيز والماء، نزار بركة، إلى جهة بني ملال- خنيفرة في الثامن والعشرين من يوليوز 2025.
ويذكر أن هذا المشروع لم يكن مجرد مطلب شعبي فقط، بل حظي بإجماع واسع بين السلطات الإقليمية والمنتخبين والفعاليات الاقتصادية والمدنية، واعتبر بمثابة رافعة استراتيجية لفك العزلة عن إقليم خنيفرة، وربطه بالمدارات الاقتصادية الحيوية، لا سيما عبر جماعتي سيدي لامين وسيدي عمرو في اتجاه خريبكة وبني ملال، ووصولا إلى العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء.
المثير أن الوزير نزار بركة نفسه سبق أن عبر عن التزامه بهذا المشروع، سواء خلال زيارته الرسمية لخنيفرة يوم 14 مارس 2023، أو خلال جلسات برلمانية وتصريحات إعلامية، كما شرعت مجالس الجهة في إعداد الدراسات التقنية الأولية، وأدرج مجلس جهة بني ملال–خنيفرة في دورة مارس 2023 مشروع اتفاقية شراكة متعددة الأطراف، تشمل وزارة التجهيز، والمجمع الشريف للفوسفاط، ومجالس الأقاليم المعنية.
ولم يكن مفاجئا أن يتجاوز برلمانيو إقليم خنيفرة خلافاتهم السياسية، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الإقليم، حيث التأموا، أغلبية ومعارضة، بتنسيق مع السلطات الإقليمية، وتوجهوا صفا واحدا إلى مكتب الوزير نزار بركة بالرباط، مؤكدين بصوت جماعي أن مشروع تثنية الطريق المعنية بالأمر يشكل أولوية تنموية لا تحتمل التأجيل، وهو ما ظل أيضا موضوع عدة أسئلة كتابية وشفوية تحت قبة البرلمان.
لكن ما وقع لاحقا فاجأ الجميع، إذ ظهرت إشارات رسمية توحي بتراجع الوزارة عن المشروع الأصلي، خصوصا بعد شروعها، على ما يبدو، في الإعداد لمشروع الطريق السيار مراكش–فاس، الذي سيمر عبر بني ملال وخنيفرة، في إطار التحضيرات لتنظيم كأس العالم 2030، وقد صرح الوزير مؤخرا أن الوزارة قد تكتفي بتوسيع الطريق الجهوية رقم 710 إلى تسعة أمتار، دون الالتزام بتثنيتها أو تحويلها إلى طريق سريع.
ولم يمر انقلاب الوزير على وعوده دون اعتباره تراجعا خطيرا يكرس الإقصاء في أقصى تجلياته، خصوصا وأن الوزير كان قد عاد، في جلسة برلمانية، قبل أقل من شهر، وتحديدا يوم الاثنين 23 يونيو 2025، إلى التأكيد على أن مشروع توسيع وتقوية الطريق 710 لا يزال قائما، ومدرج ضمن عقد البرنامج بين الدولة وجهة بني ملال–خنيفرة للفترة 2020–2022، بغلاف مالي يناهز 364 مليون درهم، وأن الدراسات التنفيذية في مراحلها الأخيرة.
ورغم أهمية هذا التأكيد، إلا أن ربط المشروع ببرنامج انتهت مدته منذ سنتين يطرح من جديد إشكالية التأخر المزمن في تنفيذ التزامات الدولة تجاه أقاليم الداخل، ويعزز الشعور العام لدى ساكنة خنيفرة بوجود تهميش مقصود أو ممنهج، والإبقاء على مشروع تمت برمجته منذ سنوات طي النسيان، وعلى الطريق الجهوية رقم 710، بكل رمزيتها الاقتصادية والاجتماعية، عرضة للتآكل والانهيار، في مشهد بات يُهدد يوميا حياة مستعمليها؟.
ما يزيد من تعقيد الصورة، هو أن مشروع تثنية الطريق الجهوية رقم 710 ظل حاضرا في كل المحطات المؤسساتية منذ سنوات، فقد نوقش بإلحاح خلال اجتماعات لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة بمجلس النواب أثناء مناقشة ميزانية 2024، وتمت الإشارة إليه كأولوية لتنمية الأقاليم الجبلية وربطها بالمراكز الاقتصادية، كما تمت مناقشته في لقاءات إقليمية، أبرزها اللقاء التواصلي الذي ترأسه عامل الإقليم سنة 2021، بحضور رئيس الجهة، وعدد من المنتخبين وممثلي المؤسسات، لتتبع سير تنفيذ المشاريع الكبرى بالإقليم.
ومع ذلك، بقي المشروع معلقا بين خطابات رسمية مطمئنة، وواقع ميداني يزداد ترديا، مما دفع فاعلين محليين وناشطين مدنيين إلى وصفه بأنه “ورقة انتخابية مستهلكة”، تستحضر عند الحاجة، ثم ينسى في الرفوف الوزارية الباردة، وقد تصاعدت دعوات المجتمع المحلي إلى ضرورة الترافع الجاد والمسؤول من طرف ممثلي الإقليم، لحماية المشروع من منطق التسويف والإلغاء.
بعيدا عن منطق المقارنات، فإن مشروع تثنية الطريق 710 لا ينبغي أن يقارن بمشروع الطريق السيار مراكش–فاس، بل يجب أن ينظر إليه كجزء من رؤية تكاملية للنهوض بالبنية التحتية الوطنية، خصوصا أن المشروعين يخدمان غايات مختلفة، ويمكن تنفيذهما بتوازٍ لا بتنافر، فهل يعقل أن يستغنى عن مشروع أساسي لفك العزلة عن الإقليم، بدعوى أن طريقا سيارا سيمر في اتجاه آخر؟ وهل التنمية تدار بمنطق المقايضة بين المناطق بدل منطق التوازن والتكامل؟.
الطريق المعنية تمر عبر مسار حيوي، وتعرف حركة دؤوبة للعربات والشاحنات القادمة من الدار البيضاء والمدن الكبرى، في حين تعيش وضعا مأسويا من حيث البنية التحتية، حيث تغيب أدنى معايير السلامة، وتكثر المنعرجات الحادة، وتتكرر الحوادث المميتة، لا سيما في الفصول الماطرة وفترات الظلام، وما تزال تختصر سنوات من الوعود، والانتظارات، والخيبات المتكررة، ما لم تتحول الدراسات والاتفاقيات إلى واقع ملموس.
وأمام هذا الملف، يتأكد بجلاء قوي أن مثل التراجع الوزاري عن المشروع المشار إليه لن يؤدي إلا لفقدان الثقة في المؤسسات ولسقوطها عرضة للتآكل أكثر فأكثر، تماما كما تتآكل جنبات الطريق يوما بعد يوم، وعلى الوزارة المعنية، الحكومة عموما، أن تدرك أن العدالة المجالية لم تعد شعارا سياسيا، بل صارت ضرورة وطنية لضمان استقرار التراب وتنمية الإنسان.