خنيفرة تحتفي بالقاضي عياض وكتابه “الشفا” في ملتقى وطني للمجلس العلمي حول عناية المغاربة بالسيرة النبوية

0
أحمد بيضي
في أجواء روحانية غامرة واحتفاء بمرور خمسة عشر قرنا على مولد الرسول الكريم (ص)، وتحت موضوع: “عناية المغاربة بالسيرة النبوية: كتاب الشفا للقاضي عياض أنموذجا”، احتضنت مدينة خنيفرة، يومي الجمعة والسبت 24 و25 أكتوبر 2025، فعاليات النسخة السادسة عشرة من “الملتقى الوطني للحديث النبوي الشريف”، الذي دأب “المجلس العلمي المحلي” لخنيفرة على تنظيمه سنويا، وجرى تنظيمه بتنسيق مع عمالة إقليم خنيفرة والمندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية، وانطلقت فعالياته بـ”ليلة المديح والسماع” في رحاب مسجد لالة خديجة.
وشهدت القاعة الكبرى للندوات بعمالة الإقليم الجلسة الافتتاحية الرسمية، التي حضرها عامل الإقليم والكاتب العام للعمالة ورئيسا المجلسين العلمي الجهوي والمحلي، والمندوبان الجهوي والإقليمي للشؤون الإسلامية، ورئيس جماعة خنيفرة، والمديرة الإقليمية للتربية الوطنية، إلى جانب عدد من رؤساء وأعضاء المجالس العلمية، وأئمة ومرشدين ووعاظ، وثلة من المنتخبين ورؤساء المصالح الخارجية، وشخصيات مدنية وعسكرية وإدارية، فضلا عن فعاليات المجتمع المدني والثقافي والإعلامي.
الجلسة الافتتاحية التي ترأستها ذة. مرية مولودي، وتكلفت بتقريرها ذة. رقية اليونسي، افتتحها رئيس المجلس العلمي الجهوي، ذ. المصطفى زمهنى، بكلمة بالمناسبة، تلتها كلمات لكل من المندوب الجهوي للشؤون الإسلامية، ذ. عبدالرحيم مسكور، ورئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، ذ. وعباس أدعوش، ثم كلمة للجنة المنظمة بلسان ذة. كلثوم الشتوي، ليختتم الافتتاح بتكريم خطيب وإمام فائز بجائزة الخطبة المنبرية، وتوزيع جوائز على ستة تلاميذ متفوقين في مسابقات دينية احتضنتها المدرسة الجماعاتية البرج والثانوية التأهيلية أجدير.
وفي كلمته، أكد رئيس المجلس العلمي الجهوي لخنيفرة، ذ. المصطفى زمهنى، أن هذا الملتقى يشكل محطة روحانية وعلمية راسخة في خدمة الحديث النبوي الشريف، تقام على هذه البقعة المباركة من ربوع الوطن، ضمن سلسلة من التظاهرات الدينية التي عرف بها أهل المنطقة المجاهدة على مر التاريخ، موضحا أن موضوع هذه الدورة يحمل دلالتين متكاملتين، إحداهما عامة والأخرى خاصة، تلتقيان في جوهر واحد يتمثل في الانتماء للوطن، الذي يفرض على كل فرد أن يقدم ما لديه من كلمة حق وقيم راسخة تساهم في ترسيخ الثوابت الدينية والوطنية.
وأشار إلى أن تنظيم هذا اللقاء يأتي تنزيلا للتوجيهات الملكية الواردة في الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس إلى المجلس العلمي الأعلى، منتصف شتنبر الماضي، بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول (ص)، والتي دعا فيها إلى جعل هذه الذكرى محطة لإطلاق أنشطة علمية وإعلامية تعرف بالسيرة النبوية بأسلوب معاصر يلامس عقول الشباب، ويبرز ما تميز به المغاربة من عناية برسالة النبي وقيمه الخالدة، مع الإعداد العلمي الرصين لإصدار نشرة محققة لكتاب “الشفا” للقاضي عياض الذي اشتهر به المغرب في العالم الإسلامي.
وبين رئيس المجلس العلمي الجهوي أن اختيار “كتاب الشفا” للقاضي عياض موضوعا للملتقى له دلالات فكرية ودينية وعلمية عميقة، إذ يعد القاضي عياض نموذجا لعلماء الحكمة الشريفة الذين أسهموا في ترسيخ العلوم النافعة، والدفاع عن الثوابت الوطنية، والرد على الشبهات والافتراءات الموجهة للسنة النبوية، مبرزا أن هذا الكتاب أدخل علما جديدا هو علم الحقوق في السيرة النبوية، بينما تطرق زمهنى إلى خصوصية ارتباط المغاربة الوثيق بالسنة النبوية، واختيارهم نهج التشرع بحكمة وعمق.
وفي ذات السياق، تناول المصطفى زمهنى سبق المغاربة إلى مكارم الأخلاق ومظاهر الرحمة والتعايش وقبول الآخر، وهي القيم التي جعلت الملكية المغربية تتمسك عبر التاريخ بالسنة النبوية وتستلهم منها قيم الأمن والاستقرار والاعتدال، ليختتم كلمته بالتأكيد على أن هذا الملتقى هو صفحة من صفحات العطاء والبذل وإسداء الخير للإنسانية جمعاء، تجسد دور العلماء والمؤسسات الدينية في تعزيز الوعي الديني الوسطي المستنير وخدمة رسالة الإسلام في بعدها الإنساني الرحب.
ومن جهته، ألقى المندوب الجهوي للشؤون الإسلامية، ذ. عبدالرحيم مسكور، كلمة بهذه المناسبة، استهلها بالتذكير بتزامن انعقاد هذا الملتقى مع الرسالة الملكية السامية التي وجهها الملك محمد السادس إلى المجلس العلمي الأعلى، والتي دعا فيها إلى التعريف بسيرة الرسول عليه السلام وأحاديثه النبوية الشريفة، وإبراز مدى عناية المغاربة بسنته وتعلقهم بشخصه في مختلف المراحل التاريخية، خاصة في فترات الشدة، كما كان الحال في القرن السابع الهجري حين ألّف أبو العباس العزفي كتابه الشهير “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”.
وتوقف مسكور عند موضوع الملتقى المتمثل في شخصية القاضي عياض وكتابه الخالد “الشفا”، مبرزا المكانة المتميزة التي حظي بها هذا المؤلف في المغرب وفي سائر بلدان العالم الإسلامي، وكيف أصبح الناس يتبركون به لما يحمله من اسم ودلالة، ولما يحتويه من قيمة علمية وروحية جعلته يحتل موقعا متميزا في الاحتفالات بذكرى المولد النبوي الشريف عبر العصور، وأشار المتحدث إلى كتب تناولت سيرة القاضي عياض ومكانته العلمية، من بينها مؤلف شهاب الدين أحمد أبو العباس المقري: “أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض”.
وصلة بكلمته، أوضح  مسكور أن المغاربة أولوا اهتماما بالغا بكتاب “الشفا” من حيث التحقيق والتنميق والخط والفن والإخراج والطباعة، وهو ما يجسد ارتباطهم الوثيق بالموروث العلمي والديني الأصيل، ولم يفوت المندوب الجهوي الفرصة دون أن يستعرض نسخة أنيقة وملونة من “كتاب الشفا”، في إشارة رمزية إلى ما يميز العناية المغربية بهذا المرجع الفريد في التراث الإسلامي، قبل أن يختتم كلمته بالتأكيد على الاهتمام الملكي الكبير بالسنة النبوية الشريفة وبضرورة تجديد أساليب عرضها ونشرها بما يتماشى مع قيم العصر.
أما رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، ذ. وعباس ودعوش، فتقدم بكلمة ترحيبية استهلها هو الآخر بالتأكيد على مضامين الرسالة الملكية السامية التي وجهها الملك محمد السادس إلى المجلس العلمي الأعلى، والتي دعا فيها إلى إحياء الذكرى الخالدة لمرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول الأكرم (ص)، من خلال مبادرات علمية وروحية تجدد صلة الأمة بسيرته وسنته العطرة، وبذلك أوضح ودعوش أن النسخة السادسة عشرة من الملتقى تكتسي أهمية خاصة واستثنائية هذه السنة، لكونها تنسجم تماما مع التوجيهات الملكية السامية.
ومن خلال حديثه عن مسار ترسيخ الهوية الدينية المتشبعة بالقيم الحضارية العريقة التي تميز المغرب عبر تاريخه، أبرز رئيس المجلس العلمي المحلي رمزية اختيار موضوع “الشفا للقاضي عياض” محورا لأشغال هذه الدورة، معتبرا أن هذا الاختيار يأتي انسجاما تاما مع روح الرسالة الملكية حول السيرة النبوية، لما يمثله هذا الكتاب من نموذج رفيع في التعريف بالنبي الكريم، وما يجسده من عمق العناية التي أولاها المغاربة لسيرته الشريفة كتابةً وتدوينا وشرحا، كما أشار ودعوش إلى ما ناله كتاب “الشفا” من الإجماع ما قل نظيره في تاريخ التأليف الإسلامي.
وفي أجواء مفعمة بالروحانية والعلم، عكست عمق الارتباط المغربي بالسنة النبوية الشريفة، وحرص المجالس العلمية على مواصلة إشعاعها المعرفي والتربوي في خدمة الثوابت الدينية والوطنية للمملكة، تم تتويج الملتقى بالجلسة العلمية الرسمية التي شكلت محطة فكرية وعلمية متميزة ضمن برنامج هذه التظاهرة، وقد ترأس أشغالها ذ. محمد حافظ، رئيس المجلس العلمي المحلي لأزيلال، فيما تولت ذة. لطيفة زهير، عضو المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، مهمة مقررة الجلسة.
استهلت الجلسة بالمداخلة الأولى التي قدمها ذ. الحسين الإبراهمي، الإمام المرشد بالمجلس العلمي المحلي لتمارة، وهي عبارة عن: “قراءة في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى علماء المملكة بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول (ص)”، وقد تناول فيها بالدراسة والتحليل مضامين هذه الرسالة الملكية الرفيعة، وما تحمله من دعوة سامية إلى إحياء السيرة النبوية والتعريف بها بأسلوب علمي وروحي معاصر، يجسد انخراط المملكة المغربية في صون المرجعية الدينية الوسطية المعتدلة.
أما المداخلة الثانية، فكانت من تقديم ذ. عبدالرحمن العضرواي، رئيس المجلس العلمي المحلي لبني ملال، الذي تناول موضوع: “نظرية النبوة والبشرية في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، والتي أبرز من خلال الكثير من الجوانب العقدية والفكرية التي تناولها القاضي عياض في مؤلفه “الشفا”، مبرزا عبقريته في توضيح التوازن بين بشرية النبي (ص) واصطفائه الإلهي، بما يعزز فهم الأمة لمقام النبوة في بعدها الإنساني والروحي.
وفي المداخلة الثالثة، تناول ذ. عبدالكريم عدنان، عضو المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، موضوع: “مظاهر عناية المغاربة بالسيرة النبوية”، مستعرضا خلالها نماذج من إسهامات العلماء والمصلحين المغاربة في خدمة السيرة العطرة، من خلال التأليف والشرح والتحقيق، ومن خلال التقاليد الاحتفالية والثقافية التي جعلت من حب الرسول (ص) سمة مميزة للهوية الدينية والوطنية المغربية.
أما المداخلة الرابعة والأخيرة، فقد قدمها ذ. محمد أوباعلا، عضو المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، تحت عنوان: “الأبعاد التربوية في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، وقد أبرز خلالها ما يزخر به هذا الكتاب من قيم تربوية وإنسانية سامية، تستمد روحها من أخلاق النبي الكريم وسيرته، داعيا إلى استثمارها في التنشئة التربوية للأجيال الجديدة.