في تطور جديد لقضية وُصفت بغير المسبوقة داخل الحقل الديني بالمغرب، دخل ملف اتهام ب “تزوير نتائج اختبارات التأهيل الخاصة بالإمامة والخطابة والأذان” مرحلة أكثر تعقيدا بعد أن بادر رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، وعباس أدعوش، إلى استئناف الحكم الصادر في حقه، والذي فتحته استئنافية بني ملال يوم الأربعاء 5 نونبر 2025، وقررت تأخير النظر فيه إلى يوم الأربعاء 12 نونبر للاطلاع على مضامينه وحيثياته.
اتهامات بالتلاعب تصل للمحاكم
القضية التي تفجرت قبل نحو عام، إثر اتهامات وجهها عضو سابق بالمجلس العلمي المحلي، إدريس إدريسي، إلى رئيس هذا المجلس وعدد من أعضائه بـ “التلاعب في نتائج الاختبارات”، تحولت إلى قضية رأي عام بعد أن قضت ابتدائية خنيفرة، صباح الاثنين 27 أكتوبر 2025، بإدانة رئيس المجلس العلمي بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم، إلى جانب تعويض مدني للمشتكي قدره ألفا درهم.
وتؤكد معطيات الجلسات أن المحكمة استمعت إلى مجموعة من أعضاء المجلس العلمي دون أداء اليمين القانونية لانتمائهم لمؤسسة دينية رسمية، واستندت في قرارها إلى تصريحات وشهادات داخلية رجحت وقوع تجاوزات، أبرزها توقيع محاضر دون الاطلاع عليها وتأخر إحالتها على المجلس العلمي الأعلى ليومين كاملين، بعد رفض العضو المشتكي التوقيع على المحضر المعني.
وينظر إلى هذا الحكم، الذي وصف بأنه سابقة في تاريخ المجالس العلمية المحلية والجهوية بالمغرب، باعتباره لحظة فاصلة في مسار مساءلة التدبير الإداري داخل المؤسسات الدينية، حيث تواصلت ردود الفعل والانقسامات وتضارب الآراء والمواقف حوله داخل الأوساط المعنية، بين من اعتبره خطوة نحو تكريس الشفافية والمحاسبة، ومن رأى فيه استهدافا لشخصية أو لمؤسسة علمية رسمية ودستورية.
ومع إعلان رئيس المجلس العلمي استئناف الحكم، يبدو أن الملف مرشح لمزيد من التفاعل والتطور، وسط ترقب واسع لما ستؤول إليه فصوله القادمة، في قضية ماسة بصورة المؤسسة الدينية، سيما أن المجلس العلمي الأعلى يعدمؤسسة دينية عليا في البلاد، “منصوص عليها في الفصل 41 من الدستور المغربي، ويترأسها الملك بصفته أمير المؤمنين، ويعتبر بالتالي هو الجهة الوحيدة المعتمدة لإصدار الفتاوى الرسمية” على حد التعريف به.
وكانت فصول هذه القضية قد اشتعلت عقب خروج العضو المشتكي، إدريس إدريسي، بتغريدة فيسبوكية اتهم فيها رئيس المجلس وعددا من أعضائه بالتدخل في نتائج الاختبارات المذكورة، ما أثار جدلا واسعا انتهى بمتابعة صاحبها قضائيا بتهم “إفشاء السر المهني” و”القذف العلني”، حيث تمت إدانتهبتاريخ 29 ماي 2025 بشهر موقوفة التنفيذ وغرامة قدرها ألف درهم مع درهم رمزي للمجلس، قبل أن يتقدم المعني بالأمر بشكاية مباشرة.
تصريح من وراء الجدل الإعلامي
وفي خضم الضغوط المتزايدة وتنامي الجدل الإعلامي الذي رافق القضية، اختار رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، وعباس أدعوش، كسر صمته والخروج عن “تعليمات الابتعاد عن الصحافة”، ليقدم روايته للأحداث أمام الرأي العام، مؤكدا في تصريحاته أن المجلس العلمي المحلي أشرف فعلا على تنظيم الاختبارات المذكورة يوم الاثنين 28 أكتوبر 2024، أعقبها في اليوم الموالي اجتماع التداول في شأن النتائج.
وقد جرى الاجتماع قصد “رفع ملف النتائج إلى الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، بعد مناقشة دقيقة لأسماء المترشحين المتأهلين في المقابلة العلمية”، حسب أدعوش، وذلك بغرض “التحقق من مدى توافقهم مع القوانين المنظمة والشروط المعمول بها، خصوصا ما يتعلق بالثوابت الدينية والوطنية للمملكة”، وبمدى “التزامهم بما يحفظ وحدة المساجد والأمن الروحي للمواطنين”، حسب المتحدث دائما.
ومن خلال تصريحاته المتطابقة، توقف رئيس المجلس العلمي عند النقطة التي كانت محور الخلاف، والمتعلقة بمنصب الإمامة ب “مسجد الأبرار” بخنيفرة، حيث ترشح له شخص واحد لدورتين متتاليتين (دورة 6 دجنبر 2023 ودورة 13 ماي 2024)، غير أنه “جرى التحفّظ عليه مركزيا”، يضيف المتحدث، ما أدى إلى بقاء المسجد دون إمام منذ افتتاحه سنة 2022 إلى اليوم.
وزاد ذات المتحدث فأبرز أن “اجتماع التداول خلص بالإجماع إلى عدم اقتراح المعني بالأمر لأسباب مرتبطة بما سبق ذكره، باستثناء عضو واحد هو إدريس إدريسي، الذي عارض القرار ولجأ إلى مواقع التواصل الاجتماعي، متهما المجلس بالتلاعب والتزوير وموجها انتقادات حادة لمؤسسات دينية مركزية، بما فيما المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية”.
ولم يغفل وعباس أدعوش التذكير بلجنة التقصي التي أوفدها المجلس العلمي الأعلى إلى خنيفرة، يوم 14 نونبر 2024، والتي خلصت، حسب بلاغ رسمي للأمانة العامة لهذا المجلس، إلى “سلامة الإجراءات المعتمدة في تنظيم الاختبارات، بعد مراجعة المحاضر والاستماع إلى الأطراف المعنية”، مؤكدة أن العملية “جرت وفق المساطر المعمول بها وأن أداء المجلس المحلي لم يشبه أي خلل” وفق البلاغ.
وفي ختام تصريحاته، شدد رئيس المجلس العلمي المحلي على أن المجلس “لم تكن له أي نية للإساءة إلى الإمام المترشح موضوع الخلاف”، مبرزا أن هذا الأخير “سبق أن استفاد من مختلف التزكيات، ويشغل مهام الإمامة والخطابة منذ سنة 2002، ولا يزال يتقاضى أجرته بانتظام”، موضحا بالتالي أن “الخلاف اقتصر على رغبته في تغيير المسجد وليس على كفاءته أو مكانته العلمية”، ورغم كونه المعني بالأمر “لم يقم بأية ضجة أو مقاضاة”.
نزاع قوي على طاولة الاستئناف
وبينما يتمسك رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، وعباس أدعوش، بموقفه المدافع عن مجلسه المحلي وسلامة مسار الاختبارات، وبما ورد في “بلاغ توضيحي للمجلس”، يواصل العضو المشتكي التشبث بروايته التي يعتبرها “فضحا لخروقات طالت هذه الاختبارات تحت ضغط جهات نافذة داخل المؤسسة العلمية”، على حد قوله في أكثر من اتجاه بما في ذلك عدة منابر وطنية.
ويؤكد إدريسي في كل مرة أن بحوزته “أدلة قطعية ووثائق دامغة” تثبت صحة ما أورده”، داعيا الجهات الوصية إلى “التدخل العاجل من أجل صون سمعة المؤسسة العلمية وحماية مصداقيتها”، وفق قوله، موضحا أنه لم يلجأ إلى المساطر القانونية إلا لكشف ما وصفه بـ “الخروقات الجسيمة”، وأنه “سيواصل الدفاع عن موقفه إلى حين إجلاء الحقيقة كاملة”، وفق قوله.
وتأتي هذه التطورات لتزيد المشهد العام تعقيدا في قضية باتت محط اهتمام الرأي العام، بعدما تفرعت عنها بيانات ووقفات حقوقية متتالية طالبت بالكشف عن حقيقة ما جرى داخل كواليس امتحانات التأهيل الديني، في وقت يترقب فيه المتابعون الخطوة الاستئنافية المقبلة وما ستفرزه من معطيات وأحكام قد تعيد رسم ملامح هذا الملف المثير الذي يتطلب الكثير الإلمام بكل التفاصيل.