الحكم الاستئنافي يلغي الحكم الابتدائي بحق رئيس المجلس العلمي لخنيفرة ويرفع عقوبة المشتكي في ملف تزوير الاختبارات

0
أحمد بيضي
في مستجد غير متوقع بخصوص ملف ما يعرف بـ”تزوير نتائج اختبارات التأهيل الخاصة بالإمامة والخطابة والأذان”، في خنيفرة، قررت استئنافية بني ملال، يوم الأربعاء 26 نونبر 2025، الرفع من الحكم الابتدائي الصادر في حق المشتكي، والذي كان عضوا سابقا بالمجلس العلمي المحلي لخنيفرة إدريس ادريسي، من شهر موقوف التنفيذ إلى ثلاثة أشهر حبسا نافذة، وذلك بعد النطق بعدم قبول الشكاية المباشرة التي تقدم بها هذا الأخير ضد رئيس هذا المجلس، عباس أدعوش، مع إلغاء متابعة هذا الأخير بتهمة التزوير.
وكانت المحكمة الابتدائية بخنيفرة قد أدانت، يوم 27 أكتوبر الماضي، رئيس المجلس العلمي المحلي بخنيفرة بتهمة “التلاعب في محاضر رسمية تتعلق بنتائج اختبارات التأهيل الخاصة بالإمامة والخطابة والأذان”، بإقليم خنيفرة”، وقضت في حقه بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم، إضافة إلى تعويض مدني للمشتكي قدره ألفا درهم، وهو الحكم الذي انقلب لاحقا ضد المشتكي، إدريس ادريسي، بعد أن بادر رئيس المجلس العلمي باستئناف الحكم الصادر في حقه.

التعليق والتعليق المضاد

وفور صدور الحكم الاستئنافي، سارع إدريس إدريسي إلى التعليق على القرار، مجددا “تشبثه بموقفه” ومعتبرا أن “الخيانة ثابتة بأدلة قطعية لا تحتمل الظن ولا تقبل التأويل”، وفق تعبيره، وأضاف أن “إلغاء الشكاية يثبت التهمة ولا ينفيها، ويؤكد الخيانة ولا يلغيها”، على حد قوله، معبرا في الوقت نفسه عن احترامه التام لأحكام القضاء، ومؤكدا أنه سيواصل المسطرة القانونية عبر اللجوء إلى محكمة النقض، واعتبر أن “المعركة كانت معركة شريعة ودين، لا معركة خبز وطين، كما كانت لأجل خيانة كافحنا لفضحها”، حسب تعبيره.
وفي الجهة المقابلة، لم يتأخر رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، عباس أدعوش، في تعميم بيان موقع باسم المجلس، افتتحه بالإشارة إلى قرار محكمة الاستئناف الذي وصفه بأنه “قرار منصف للمجلس ومعيد الأمور إلى نصابها القانوني السليم”، وانتقد البيان ما سماه “الادعاءات التي يروج لها العضو السابق المقال”، مؤكدا أنها “لا أساس لها من الصحة وتعتمد على أساليب التضليل وادعاء المظلومية دون أي سند قانوني أو واقعي، مجددا التأكيد على “التزام المجلس التام باحترام القوانين المنظمة، وخدمة الشأن الديني بكل مسؤولية وتجرد”.

شرارة الملف بباب المحاكم

وكانت خيوط القضية قد تفجرت، قبل حوالي عام، حين وجه إدريس إدريسي، العضو السابق بالمجلس العلمي المحلي، اتهامات مباشرة إلى رئيس المجلس، وعدد من أعضائه، بخصوص ما اعتبره “تلاعبا في نتائج اختبارات التأهيل”، لتتحول الواقعة سريعا إلى ملف مثير للجدل داخل الرأي العام المحلي والوطني، ومع شروع المحكمة في الاستماع إلى أعضاء من داخل المجلس، تصاعدت أحاديث عن توقيع محاضر دون الاطلاع على مضامينها، وتأخر إحالتها على المجلس العلمي الأعلى لمدة يومين كاملين، عقب رفض المشتكي التوقيع على المحضر محل الخلاف.
وارتفعت حدة التفاعل مع هذا الملف الذي وصف بأنه سابقة في تاريخ المجالس العلمية بالمغرب، بعدما اعتبره مهتمون بالشأن الديني خطوة غير مألوفة نحو مساءلة التدبير الإداري لمؤسسة تعد من أكثر المؤسسات حساسية ورمزية، فيما رأى آخرون أن ما جرى لا يعدو أن يكون استهدافا لشخصية علمية أو لمؤسسة دستورية رسمية، منصوص عليها في الفصل 41 من الدستور ويرأسها الملك بصفته أمير المؤمنين”، وتعد “الجهة الوحيدة المخولة بإصدار الفتوى الرسمية”، ما يجعل أي توتر داخلي أو قضائي مرتبط به محل متابعة دقيقة.
وتعود شرارة القضية إلى لحظة نشر إدريس إدريسي تدوينة على حسابه بالفيسبوك اتهم فيها رئيس المجلس وعددا من أعضائه بـ”التدخل في نتائج الاختبارات”، وهي التدوينة التي فتحت الباب أمام موجة من الجدل انتهت بمتابعته قضائيا بتهم “إفشاء السر المهني” و”القذف العلني”، وصدر في حقه بتاريخ 29 ماي 2025 حكم بشهر موقوف التنفيذ وغرامة قدرها ألف درهم، إضافة إلى درهم رمزي لفائدة المجلس العلمي، قبل أن يقرر لاحقا اللجوء إلى القضاء عبر شكاية مباشرة ضد رئيس المجلس، لتدخل القضية مرحلة أكثر تعقيدا.

الضغط يولد رواية المتهم

وفي ذروة الجدل المتصاعد، اختار رئيس المجلس العلمي المحلي، عباس أدعوش، الكشف عن روايته بالقول إن المجلس العلمي المحلي أشرف بالفعل على تنظيم الاختبارات يوم الاثنين 28 أكتوبر 2024، أعقبها اجتماع للتداول في النتائج، والذي خصص، بحسب روايته، لـ”رفع ملف النتائج إلى الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، بعد مناقشة دقيقة لأسماء المترشحين المتأهلين”، مع التركيز على مدى تطابقهم مع القوانين المنظمة وشروط الأمانة العامة، ولا سيما المتعلقة بـ”الثوابت الدينية والوطنية” و”حماية وحدة المساجد والأمن الروحي للمواطنين.
وتوقف المتحدث عند النقطة التي شكلت محور الخلاف، والمتعلقة بمنصب الإمامة بـ”مسجد الأبرار” بخنيفرة، حيث ترشح لنيل المنصب شخص واحد خلال دورتين متتاليتين (6 دجنبر 2023 و13 ماي 2024)، غير أنه ـ وفق أدعوش ـ “ظل موضوع تحفّظ مركزي”، ما جعل المسجد بدون إمام منذ افتتاحه سنة 2022، ويوضح أن اجتماع التداول خلص بالإجماع إلى عدم اقتراح المرشح المعني “للاعتبارات المرتبطة بالتحفّظات السابقة”، باستثناء عضو واحد هو إدريس إدريسي الذي رفض القرار.
ذلك قبل أن ينقل ادريسي، يضيف أدعوش، اعتراضه إلى مواقع التواصل الاجتماعي متهما المجلس بـ”التلاعب والتزوير”، وموجها انتقادات لاذعة لمؤسسات دينية مركزية، بينها المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بينما لم يفت أدعوش التذكير بلجنة التقصي التي أوفدها المجلس العلمي الأعلى إلى خنيفرة في 14 نونبر 2024، والتي جاء تقريرها ـ وفق بلاغ رسمي للأمانة العامة ـ ليؤكد “سلامة الإجراءات المعتمدة” في تنظيم الاختبارات بعد مراجعة المحاضر والاستماع إلى الأطراف.
وفي ختام تصريحاته، شدد رئيس المجلس العلمي المحلي، في تصريحه، كما في بيانات مجلسه، على أن المجلس “لم يكن يرمي إلى الإساءة للمرشح موضوع الخلاف”، مبرزا أن هذا الأخير “سبق أن استفاد من التزكيات، ويزاول مهام الإمامة والخطابة منذ سنة 2002، ولا يزال يتلقى أجرته بانتظام”، وأوضح أن “جوهر الخلاف لم يكن مرتبطا بكفاءته أو بمكانته العلمية، بل برغبته في تغيير المسجد لا غير”، مشيرا إلى أن المعني بالأمر لم يدخل في أي نزاع أو متابعة قضائية تجاه المجلس.

استمرار معركة المواقف

وبينما واصل رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، عباس أدعوش، تمسكه بموقفه المدافع عن “سلامة الاختبارات ومسارها القانوني”، مستندا إلى ما ورد في “بلاغ توضيحي” صادر عن المجلس، لا يزال العضو المشتكي، إدريس إدريسي، متمسكا بروايته التي يعتبرها “كشفا لخروقات شابت هذه العملية”، فقد تحدث في عدد من تدويناته عن “تغييرات طالت محاضر اللجان وتزوير لنتائجها من طرف بعض المسؤولين تحت ضغط جهات نافذة داخل المؤسسة العلمية”، وفق تعبيره.
ويجدد إدريسي التأكيد، في كل مرة، على امتلاكه ما يسميه “أدلة قطعية ووثائق دامغة” تثبت صحة ادعاءاته، داعيا الجهات الوصية إلى “التدخل العاجل لصون سمعة المؤسسة العلمية وحماية مصداقيتها”، ويوضح أنه “لم يلجأ إلى المساطر القانونية إلا بهدف كشف الخروقات الجسيمة” التي قال إنها طالت الامتحانات، مشددا على أنه “سيواصل الدفاع عن موقفه إلى حين إجلاء الحقيقة كاملة”، بحسب تعبيره، ورفعت هذه التطورات من اتساع البيانات والوقفات الحقوقية المطالبة بتوضيح ما جرى في كواليس امتحانات التأهيل الديني.