تحت المطر والبرد القارس… مشردو الدار البيضاء يعيشون الشتاء بين العراء والمراكز الإنسانية
مع أول قطرة مطر شتوي تتساقط على أرصفة الدار البيضاء، يتحول المشهد المعتاد للمدينة إلى فضاء مليء بالتحديات لأولئك الذين لا مأوى لهم. الأجواء الباردة، الرياح القارسة، والأمطار الغزيرة تجعل الحياة اليومية في الشارع صعبة للغاية، خصوصا على المشردين، رجالا ونساء وأطفالا، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ظروفهم القاسية، بلا مأوى يحميهم، ولا أغطية كافية لتوفير الدفء اللازم.
في جولة ميدانية على بعض النقاط التي يتواجد فيها المشردون، يمكن ملاحظة الأوضاع اللاإنسانية بوضوح. الأفرشة المتهالكة مبللة، الأكياس البلاستيكية المثقوبة لا تكفي لتغطية الأجساد الصغيرة أو الكبيرة، وقطع الكرتون المبعثرة على الأرض تحاول حجب مياه الأمطار، لكنها غالبا تتطاير مع الرياح. البعض يختبئ تحت قناطر أو بمحاذاة جدران المباني، أو قرب السكة الحديدية والأماكن المهجورة، لكنهم بين الفينة والأخرى يتحركون في جماعات، خصوصا المراهقين، بحذر شديد هربا من أي تدخل، سواء من السلطات أو الجمعيات.
المراهقون في الشارع:
واقع مأساوي
خلال الجولة، لاحظنا أن بعض المراهقين المشردين يتحركون في مجموعات صغيرة، يضعون أغطيتهم الممزقة والمتسخة على أكتافهم أو يسحبونها وراءهم دون اكتراث لمن حولهم. بعضهم يقف أمام المخبزات، والبعض الآخر أمام المقاهي، يتحدثون فيما بينهم، وبلا مبالاة يستجدون الدراهم من المارة لاستخدامها غالبا لشراء الكحول أو المخدرات.
مركز الفرصة الثانية «عثمان
بن عفان»: ملاذ دافئ
في وسط هذه الصورة القاسية، يأتي مركز الفرصة الثانية «عثمان بن عفان» كملاذ دافئ وآمن، كغيره من المراكز التي تنتشر على تراب الدار البيضاء، يشرف على هذا المركز عبد الكبير العسي، رئيس جمعية «الظل الوارف»، الذي أكد أن المركز، الذي تم إنشاؤه سنة 2020 أثناء جائحة كورونا، يمتلك طاقة استيعابية تصل إلى 117 سريرا، إلا أن العدد غالبا ما يتجاوز هذه الطاقة بسبب أعداد المشردين التي تفد إليه، حيث تصل اليوم إلى 167 حالة.
وأوضح عبد الكبير العسي أن فكرة المركز جاءت بعد تجربة إيواء المشردين أثناء الحجر الصحي خلال جائحة كورونا، حيث تم تجميعهم تحت إشراف الجمعية باقتراح من عامل الإقليم لضمان الدفء والغذاء، واستمر المركز في عمله بعد انتهاء الجائحة، ليصبح نقطة محورية لتخفيف معاناة المشردين خلال فصل الشتاء القاسي وطوال السنة.
الفئات الأكثر هشاشة
بحسب رئيس جمعية «الظل الوارف»، يستقبل المركز عدة فئات من المشردين، كل واحدة منها تحمل معاناة مختلفة:
الأيتام والمتأثرون بالتفكك الأسري بعد الطلاق، حيث يجد الرجل أو المرأة أنفسهم فجأة بلا مأوى.
نزلاء الخيريات الذين يصلون سن الرشد (18 عاما) ويصبحون خارج منظومة الدعم الاجتماعي.
المدمنون الذين تخلت عنهم أسرهم، والذين يجدون أنفسهم مضطرين للبقاء في الشارع.
الأطفال المتخلى عنهم، المعاقون، المسنون، والمختلون عقليا.
وأشار العسي إلى أن النساء والفتيات يتم احتواؤهن في مركز آخر بدرب مولاي الشريف، لكن طاقته الاستيعابية لا تتجاوز 30 سريرا، ما يجعل توفير الرعاية لجميع النساء في وضعية تشرد تحديا كبيرا.
وأضاف أن الدار البيضاء تستقطب أغلب المشردين القادمين من مدن أخرى بنسبة تصل تقريبا إلى 67٪، بينما عدد المشردين المحليين قليل نسبيا، ما يزيد الضغط على المراكز ويجعل التدخل الإنساني أكثر تعقيدا.
المخاطر الصحية
وعن المشاكل الصحية التي يعاني منها هؤلاء المشردون، أوضح المتحدث أن من أبرزها:
أمراض الجهاز التنفسي الناتجة عن البرد والرطوبة.
السل والأمراض الجلدية مثل «الجرب» الناتج عن قلة النظافة.
تدهور الحالة الصحية للمختلين عقليا، الذين قد لا يستطيعون طلب المساعدة بأنفسهم.
وأكد العسي أن الحالات الصعبة تتم إحالتها إلى مستشفى 20 غشت، بينما يتم توفير الدواء والطعام والرعاية الأساسية في المركز.
كما أشار إلى المتابعة الدورية من السلطات المحلية، بما في ذلك دوريات التطهير بإشراف من العامل، وهي الدوريات التي يشارك فيها الأمن والقوات المساعدة وأعوان السلطة، بهدف إلحاقهم بمراكز الإيواء ضمانا لسلامتهم وتوفير الدفء والمأوى لهم، خصوصا خلال ليالي الشتاء القاسية.
في هذا السياق، أكد المتحدث أن مساعدة الأشخاص في وضعية تشرد من طرف المواطنين لا ينبغي أن تقتصر على تقديم المال في الشارع، لما لذلك من آثار سلبية قد تضر بهم أكثر مما تنفعهم، إذ يُستعمل هذا المال في كثير من الحالات لاقتناء الكحول أو المخدرات، أو لتكريس البقاء في الشارع والهروب من تدخل السلطات ومراكز الإيواء. مشددا على أن السلوك الأكثر نجاعة وإنسانية يتمثل في إشعار السلطات المحلية أو الجمعيات المختصة بوجود مشردين، خاصة في حالات الهشاشة القصوى، حتى يتسنى توجيههم نحو مراكز الإيواء والاستفادة من الرعاية الصحية والنفسية وخدمات الإدماج الاجتماعي، بما يضمن حمايتهم وصون كرامتهم بدل تركهم عرضة للمخاطر اليومية.
الحياة اليومية في المركز
داخل المركز، حسب المتحدث، هناك مجموعة من الأنشطة اليومية التي تصب كلها في إطار توفير الراحة لهؤلاء الأشخاص في وضعية تشرد، مبرزا أن المطبخ يعمل على مدار 24 ساعة، لتقديم أربع وجبات يومية: الإفطار، الغداء، العصرونية، والعشاء، كما لا يتوانى عن تقديم الوجبات للمرضى من المتشردين، خصوصا المختلين عقليا الذين هم في حاجة إلى العناية الخاصة، بما فيها توفير الدواء.
ومن الأنشطة التي يضطلع بها المركز، حسب ذات المتحدث، برامج محو الأمية التي يستفيد منها هؤلاء الأشخاص ثلاث مرات في الأسبوع، فضلا عن أنشطة ترفيهية وتنظيم دوريات في كرة القدم وورش فنية، مما يوفر للنزلاء فرصة للهروب من روتين الشارع القاسي، بل إن بعض النزلاء استفادوا، حسب رئيس جمعية «الظل الوارف»، من عمرة بالديار المقدسة، وذلك بهدف تعزيز الجانب الروحي ودعم ثقتهم بأنفسهم.
كما يوجد برنامج إعادة الإدماج الأسري والاجتماعي، بالإضافة إلى البحث عن فرص عمل للنزلاء، وهو ما مكّن بعض الحالات من الخروج من التشرد والعودة إلى حياة طبيعية، أو حتى العودة إلى أسرها بعد سنوات من الانفصال. وفي هذا الصدد يقول العسي: «هدفنا ليس فقط توفير مأوى، بل إعادة بناء حياة هؤلاء الأشخاص تدريجيا، ومساعدتهم على العودة إلى المجتمع، إلى أسرهم، أو إلى حياة مستقلة».
الصعوبات المستمرة
رغم كل هذه الجهود، هناك تحديات كبيرة، فبعض هؤلاء الأشخاص يرفضون الذهاب إلى المراكز حفاظا على حريتهم في التسول أو التدخين أو الحصول على المواد المخدرة، يقول المتحدث. أما حالات الوفيات فهي قليلة لكنها موجودة، وتُسجَّل خصوصا بين المختلين عقليا الفاقدين للإدراك، والذين لا يشعرون بالمخاطر المحيطة بهم، خصوصا البرد القارس إبان أيام وليالي فصل الشتاء.
ومن بين المشاكل أيضا، يقول المتحدث، أن بعض المدن تقوم بجمع المختلين عقليا في حافلات وإيصالهم إلى أطراف المدن، مما يزيد من تفاقم الأوضاع أكثر، ويفرض على الدولة إيجاد حلول دائمة، من خلال إنشاء مراكز كافية توفر العيش الكريم لهؤلاء الأشخاص.
وبخصوص الأطر العاملة بمركز «عثمان بن عفان» المتواجد بالحي المحمدي، أشار العسي إلى أنها تتكون أساسا من متطوعين، ثم أطر دائمين، كالطباخات والمداومين الليليين، الذين يقومون بعمل جليل رغم ضعف التعويض المالي الذي لا يتجاوز 2500 درهم شهريا و الذين يقدمون خدماتهم ليلا ونهاار، مؤكدا الحاجة الملحة لتحسين وضعيتهم لضمان استمرارية الخدمات.
الشراكات والدعم
يستفيد المركزمن شراكات أبرزها شراكته مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومع التعاون الوطني، وهي مؤسسة تابعة لوزارة التضامن، تنظم كل سنة من شهر دجنبر إلى مارس حملة لتقديم الدعم والمساعدة للأشخاص في وضعية الشارع، من خلال حملة تضامنية شعارها «شتاء دافئ»، عبر ربط المستفيدين بخدمات الإدماج الاجتماعي والدعم النفسي والاجتماعي.
فهذه المؤسسة التي أُحدثت سنة 1957 على شكل مؤسسة خصوصية ذات طابع اجتماعي ومعترف لها بالمنفعة العامة، ثم تحولت إلى مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المدنية والاستقلال المالي، موضوعة تحت وصاية الوزارة المكلفة بالشؤون الاجتماعية، تنظم عبر مندوبياتها الإقليمية حملات شتوية سنوية لمواجهة موجات البرد القارس التي تهدد الأشخاص في وضعية الشارع والفئات الهشة، وذلك في إطار حماية كرامتهم وتعزيز التضامن الاجتماعي. وتشمل هذه الحملات تقديم مساعدات عاجلة، وفتح مراكز للإيواء المؤقت، إلى جانب توفير خدمات صحية ونفسية وتنظيم أنشطة اجتماعية وترفيهية.
وتعتمد هذه المبادرات على تنسيق واسع بين مؤسسة التعاون الوطني وعدد من المتدخلين، من ضمنهم السلطات المحلية، والقطاعات الحكومية المعنية، وجمعيات المجتمع المدني، والوقاية المدنية، والأمن الوطني، إضافة إلى القطاع الخاص والمحسنين، بهدف ضمان استجابة فعالة خلال فصل الشتاء.
وتهدف حملات الشتاء إلى ترسيخ قيم التكافل الاجتماعي، وتوفير الحماية والرعاية للأشخاص دون مأوى، وتعبئة مختلف الفاعلين للتحسيس بأهمية التضامن المجتمعي، بما يجعل هذه المبادرات نموذجًا للعمل الاجتماعي التضامني في مواجهة الفقر والهشاشة.
في الدار البيضاء، كما في باقي المدن، لا يكشف الشتاء فقط عن قسوته المناخية، بل يعرّي هشاشة اجتماعية عميقة يعيشها آلاف الأشخاص في صمت. وبين العراء والمراكز الإنسانية، تتأرجح حياة المشردين بين الخطر والأمل، حيث يظل تدخل الجمعيات ومؤسسة التعاون الوطني، وصمود الأطر العاملة بالميدان، خط الدفاع الأخير في مواجهة البرد القارس. غير أن حجم الظاهرة وتعقيدها يفرضان الانتقال من التدبير الموسمي إلى حلول دائمة، تضمن لهؤلاء الحق في العيش الكريم، لا كفعل إحسان عابر، بل كواجب اجتماعي وإنساني لا يحتمل التأجيل.