في جماعة كروشن الواقعة بإقليم خنيفرة، حيث تشتد حرارة الصيف وتتكرر مواسم الجفاف، لا يزال سكان الدواوير النائية ينتظرون قطرة ماء تروي عطشهم وتنعش زراعتهم، وسط هذا الواقع القاسي، طُرح خلال دورة ماي 2025 مشروع إحداث “مسبح جماعي” بمركز الجماعة، وهو ما أثار جدلا واسعا بين المنتخبين والمواطنين، وفتح باب الأسئلة حول مدى عقلانية ترتيب الأولويات التنموية في منطقة تعاني من العطش.
ففي الوقت الذي تعاني فيه عدد من الدواوير، من شح المياه، يرى السكان أن التفكير في مشروع ترفيهي مثل المسبح ليس فقط ضربا من العبث، بل استخفافا بمعاناتهم المتواصلة، فيما رآها البعض من زاوية حاجة الأطفال لمسبح، علما أن مؤشرات الواقع الميداني تكشف عن أزمة مستفحلة في توزيع الماء، وترد في خدمات التزود به، سواء على المستوى المنزلي أو الزراعي.
يوم الخميس 3 يوليوز 2025، خرج العشرات من الفلاحين في دوار “إبيغلان” في مسيرة احتجاجية نحو مقر عمالة الإقليم، احتجاجا على ما وصفوه بـ”الحرمان المتعمد” من مياه السقي، بعدما تم تحويل مجرى واد صغير نحو ضيعات بدوار مجاور، والفلاحون، الذين أنهكهم الجفاف، أكدوا أن مزروعاتهم تلفت، وأن خسائرهم تتفاقم موسما بعد آخر، في غياب أي تدخل فعلي من الجهات المعنية، فيما أعادت المسيرة إلى الواجهة الأسئلة القديمة الجديدة حول العدالة في توزيع الموارد الطبيعية، وغياب أي استراتيجية حقيقية لاستثمارها لفائدة السكان المحليين.
على مستوى التزود بماء الشرب، تشير المعطيات المحلية إلى وجود أكثر من 80 خزانا بلاستيكيا موزعة على مختلف دواوير الجماعة، إلا أن عمليات تعبئة هذه الخزانات تعتمد على شاحنتين صهريجيتين، لا تشغل منهما الجماعة سوى واحدة بشكل دائم، في وقت تتزايد فيه الطلبات ويتسع فيه العجز، هذه الوضعية تثير الكثير من علامات الاستفهام حول نمط التدبير المحلي، خاصة في ظل غياب برنامج عمل شفاف يضمن العدالة في التوزيع، وربط الخدمة أحيانا باتصالات فردية وعلاقات شخصية، ما يفتح الباب أمام الزبونية ويغذي الشكوك حول توظيف الماء، وهو خدمة أساسية، لأغراض انتخابية أو فئوية ضيقة.
في ظل هذه الأوضاع، يبدو مشروع المسبح الجماعي أشبه بسخرية سوداء من معاناة السكان، الذين لا يبحثون عن الترفيه بقدر ما يطلبون أبسط حقوقهم المعيشية، فكيف يمكن لمجلس جماعي أن يبرمج مسبحا في منطقة تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، وتغيب فيها شبكات توزيع مياه السقي، وتعيش ساكنتها على وقع الندرة والعطش؟ حتى مركز كروشن، الذي من المفترض أن يحظى بأولوية في الخدمات، يعاني من ضعف كبير في التجهيزات، وغياب رؤية مندمجة لتأهيله.
تتعمق المفارقة أكثر عندما نعلم أن رئيس الجماعة الحالي، المنحدر من دوار “تمداحت”، هو مهندس بوزارة الفلاحة وعضو في حزب يقود الحكومة، دون أن يترجم ذلك إلى مبادرات فعلية لاستفادة دواوير غنية بالمياه كـ”إبيغلان ” و”أروكو” من مشاريع فلاحية مستدامة لتنظيم مياه السقي أو دعم الفلاح الصغير بهذه الدواوير ومثيلاتها، وهناك ملاحظات متقاطعة من داخل الساكنة تشير إلى أن الخلافات والتجاذبات الداخلية بين مكونات حزب رئيس الحكومة، الذي يترأس المجلس، ساهمت في تعطيل وتهميش عدد من الملفات الحيوية، بما فيها مشاريع الماء والفلاحة.
في كروشن، لم تعد المطالب خافتة أو معزولة، “لا نريد مسبحا… نريد الماء”، بهذه العبارة البسيطة يختصر السكان أولوياتهم، ويعبرون عن عمق الإحساس بالإقصاء والتهميش، لا أحد يتحدث عن أماكن الترفيه، ولا عن مشاريع الواجهة، بل الكل يتساءل عن توقيت وصول الماء إلى بيته، وكيفية إنقاذ زرعه وحيواناته من الهلاك، ومع تصاعد درجات الحرارة، وتكرار موجات الجفاف، أصبح من الملح على المجلس الجماعي إعادة النظر في سلم أولوياته، والتركيز على مشاريع التزود والتنظيم المائي، وتأهيل البنيات التحتية المرتبطة به.