بمناسبة “اليوم العالمي للتعاونيات”، اختارت “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، بإقليم خنيفرة، يوم الخميس 10 يوليوز 2025، أن تجدد التزامها السنوي تجاه دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، من خلال تنظيم لقاء جهوي يعكس المكانة المركزية التي تحظى بها التعاونيات في استراتيجيتها خلال مرحلتها الثالثة، ويتناغم هذا الموعد مع التوجهات الوطنية والدولية الرامية إلى تعزيز دينامية التنمية المحلية، من خلال تمكين الأفراد، وتثمين الموارد، وبناء سلاسل إنتاج متكاملة، وقادرة على الصمود في وجه التحولات البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
ويأتي الاحتفال هذه السنة تحت شعار يحمل دلالات قوية: “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية رافعة لتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ودعم العمل التعاوني”، وهو الشعار الذي جسدته أرض الواقع من خلال مشاركة عدد من التعاونيات المحلية في أشغال اللقاء، بعدما استفادت من مواكبة تقنية ومالية مكنت الكثير منها من تجاوز إكراهات التأسيس والانطلاق نحو مراحل الإنتاج والتسويق والاستدامة، وهو اللقاء الذي شكل مناسبة لإبراز إسهامات العمل التعاوني في تعزيز التضامن المجتمعي بما ينسجم مع روح التنمية الشاملة والمستدامة.
وافتتح الكاتب العام لعمالة خنيفرة اللقاء بكلمة أكد فيها على أن التعاونيات لم تعد مجرد آلية إنتاج بسيطة، بل باتت فاعلا محوريا في هندسة حلول واقعية ومستدامة لمواجهة التحديات المتزايدة التي يعرفها المجتمع، داعيا إلى ضرورة دعم هذا النسيج الإنتاجي من خلال تحفيز الابتكار وتطوير الأطر القانونية، لاسيما في القطاعات ذات القيمة المضافة، ولم يفته التشديد على أهمية هذا الموعد باعتباره فرصة لاستلهام الدروس وتوسيع الشراكات بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين، في سياق يراهن فيه الإقليم على الاقتصاد التضامني كرافعة حقيقية للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.
وتضمن برنامج اللقاء أيضا تقديم عرض شامل من طرف رئيس قسم العمل الاجتماعي، استعرض من خلاله حصيلة تدخلات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، خاصة في إطار البرنامج الثالث، ووفق المعطيات الرسمية، فقد تم خلال الفترة الممتدة ما بين 2019 و2025، إنجاز 99 مشروعا بإجمالي استثمارات بلغت 89.42 مليون درهم، ساهمت فيها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمبلغ 42.21 مليون درهم، وتوزعت هذه المشاريع على قطاعات الفلاحة (39 مشروعا)، الصناعة التقليدية (44 مشروعا)، والسياحة (16 مشروعا)، مع تسجيل استفادة مباشرة لـ71 تعاونية.
وشهد اللقاء أيضا التوقيع على مجموعة من اتفاقيات الشراكة، همت 13 تعاونية جديدة سيتم دعمها في إطار المرحلة الحالية، في خطوة تعكس إرادة المبادرة الوطنية في توسيع قاعدة الاستفادة وتكريس فلسفة التمكين الاقتصادي والاجتماعي، ويُرتقب أن تساهم هذه الدينامية الجديدة في خلق فرص عمل وتحسين الدخل والارتقاء بمستوى العيش، خاصة في الوسط القروي والمناطق الهشة، وبينما يواصل العالم الاحتفاء بدور التعاونيات في تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، يؤكد إقليم خنيفرة، من خلال هذا اللقاء، التزامه بتعزيز مكانة التعاونيات كشريك أساسي في المسار التنموي، القائم على المشاركة، والاستدامة، والمردودية الاجتماعية.
ومن جهتها تقدمت رئيسة “جمعية أنير للتنمية النسوية والتكافل الاجتماعي”، بعرض حول التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء، حيث تطرقت إلى السياسات العمومية والمبادرات الترابية التي تهدف إلى إرساء بيئة دامجة ومحفزة للمشاريع النسائية، كما استعرضت آليات التمويل والدعم المتاحة، مشددة على أهمية الاستدامة وتعزيز الأثر المحلي للمبادرات، بينما أكدت على أن التنسيق بين الفاعلين المحليين والمؤسساتيين يشكل ركيزة أساسية لتيسير ولوج النساء إلى الفرص التنموية، في أفق بناء مجتمع متوازن وتقليص الفوارق الاقتصادية والمجالية التي لا تزال تؤثر سلبا على واقع النساء، خاصة في المناطق الهامشية.
كما تم تقديم عرض من طرف ممثل “مجموعة ذات النفع الاقتصادي زيان”، تناول الميكانيزمات المعتمدة لتطوير المنتجات المجالية بالإقليم، مستعرضا تجربة فريدة تجمع 26 تعاونية جاءت ثمرة توصية تمخضت عن فعاليات الدورة الثالثة للمعرض الجهوي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني بخنيفرة سنة 2022، وقد تمت مواكبة هذه التجربة من طرف اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية وبشراكة مع جمعية تاركة، في محاولة لبناء تكتلات تعاونية تتغلب على التحديات المرتبطة بتسويق وترويج المنتجات المجالية، كما تم التطرق إلى تقوية القدرات عبر التكوينات والدورات التواصلية، إضافة إلى عرض مقترحات بخصوص الفضاءات الممكن توفيرها.
اللقاء شكل أيضا محطة للنقاش المفتوح بين الفاعلين المحليين وممثلي التعاونيات، في أجواء تفاعلية أفرزت مجموعة من التصورات والمقترحات التي لامست عمق الإشكالات المطروحة، وتم تسجيل دعوات إلى تكثيف دعم المبادرات الذاتية، خاصة تلك التي تستهدف النساء والشباب، مع إبراز أهمية التمكين الاقتصادي والاجتماعي كمدخل للكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية، كما تمت الإشارة إلى اتفاقية شراكة مرتقبة بين جماعة خنيفرة والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتنظيم معرض إقليمي للمنتجات المجالية خلال غشت المقبل، في خطوة تروم تحفيز الاقتصاد المحلي.
ولم تخل النقاشات من قضايا نوعية تم طرحها بإلحاح، من قبيل ضرورة العمل على تمييز الزربية الأطلسية والزيانية عن باقي الأنواع من خلال علامة دالة على خصوصيتها الثقافية والحرفية، وضرورة تطوير آليات العمل التعاوني إقليميا، وتكثيف التكوينات حول مفاهيم المبادرة والخبرة والإنتاج، والانفتاح على تجارب ناجحة من داخل المغرب وخارجه، كما دعا البعض إلى خلق حاضنة إقليمية تستوعب هذه الدينامية وتضمن استمراريتها، بما يجعل من الاقتصاد الاجتماعي والتضامني فاعلاً اقتصاديا حقيقيا وليس مجرد واجهة للتجارة الخيرية.
من جهة أخرى، أثارت إحدى الحرفيات مسألة استغلال صانعات الزرابي من طرف من يُعرفون بـ“الشناقة”، الذين يشترون الزرابي منهن بأثمان زهيدة لإعادة بيعها بأثمان مرتفعة في الأسواق والمعارض، وهو ما اعتبرته تنبيه ودعوة للاهتمام بالنساء الحرفيات اللواتي لا مورد لهن ولا لأسرهن سوى ما يجنينه من صناعة ونسيج الزرابي، داعية إلى تدخل جدي لإنصاف هذه الفئة عبر سياسات تضمن لهن حقهن في القيمة المضافة لمنتوجاتهن بما تمليه التنمية العادلة والعيش المشترك.
وبينما مثل فرصة حقيقية للاحتفاء بمسار غني من التراكمات في مجال دعم التعاونيات، التي باتت تشكل ركيزة استراتيجية ضمن جهود بناء مجتمعات أكثر استدامة وتضامنا، فقد شكل اختتام أشغال اللقاء لحظة قوية من خلال توقيع 13 اتفاقية شراكة مع تعاونيات مستفيدة من دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية برسم سنة 2025، بغلاف مالي إجمالي قدره 2.23 مليون درهم، ساهمت فيه المبادرة الوطنية بمبلغ 2.01 مليون درهم، في خطوة تؤكد التزامها بمواصلة الانخراط الفعلي في تمكين التعاونيات من الوسائل اللازمة.
وقد أعاد هذا اللقاء التأكيد على التوجه الاستراتيجي الذي سطّرته المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي انطلقت سنة 2019، والتي أولت دعما خاصا ومركزا للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، عبر مواكبة تقنية ومالية لفائدة التعاونيات، من خلال البرنامج الثالث المتمثل في “تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب”، معتمدا على مقاربة تشاركية ومنظمة ترتكز على مراحل تحديد سلاسل القيم الواعدة محليا، يليها إطلاق طلبات مشاريع على مستوى العمالة أو الإقليم، ثم التقييم الدقيق لهذه المشاريع من قبل اللجان المعنية.
ولا يخفى أن سنة 2025 التي أعلنتها الأمم المتحدة كسنة دولية للتعاونيات، تحت شعار “التعاونيات تبني عالما أفضل”، تمثل محطة استراتيجية مهمة لتثمين التجارب الناجحة، وتعزيز قدرات الفاعلين في القطاع، ودفع التعاونيات نحو أدوار ريادية في الاقتصاد الوطني والعالمي، من خلال توسيع الشراكات، وتشجيع السياسات العمومية الداعمة لهذا النموذج المقاولاتي المندمج، وقد تجاوز عدد التعاونيات بالمغرب عتبة 60 ألف تعاونية، تضم أزيد من 760 ألف متعاونة ومتعاون، ما يبرز الدينامية القوية التي يعرفها هذا النسيج الإنتاجي والاجتماعي.
شكل اللقاء مناسبة لتوسيع النقاش حول قضايا التمكين الاقتصادي والاجتماعي، من خلال استحضار تجارب ميدانية ومقاربات عملية أكدت على أهمية الاستثمار في العمل التعاوني كأداة للتنمية المحلية المستدامة، وقد أغنت مداخلات المشاركين اللقاء برؤى متقاطعة حول سبل تطوير أداء التعاونيات، خصوصا النسائية منها، في سياق ما تتيحه المرحلة الثالثة من المبادرة من فرص مواكبة تقنية ومالية واعدة، ودورها المتصاعد في إحداث فرص الشغل، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وبناء اقتصاد أكثر صمودا وعدالة وهي حقيقة تؤكدها المعطيات الميدانية، وتجعل من اللقاءات الدورية مثل هذا الحدث مناسبة لإعادة تقييم المكتسبات، وتحديد الآفاق.