لا تزال قضية وفاة الطفل الراعي محمد بويسلخن، الملقب بـ”راعي أغبالو”، ترخي بظلالها الثقيلة على الرأي العام المحلي والوطني، وسط تصاعد الشكوك ورفض متنامٍ للرواية الرسمية التي تحدثت عن “انتحار”، ومع توالي المستجدات، بات من الواضح أن هذه القضية الغامضة ترفض الطي، بعد أن تحولت إلى رمز للحيف الذي يطال الفئات الهشة، أحياء وأمواتا، خاصة في المناطق القروية المعزولة.
الحدث المأساوي الذي وقع قبل أسابيع، أعاد إلى الواجهة سؤال العدالة والكرامة، بعد العثور على جثة الطفل محمد، البالغ من العمر 15 سنة، في ظروف وصفت بأنها “غامضة”، لتتبعها سلسلة من الإجراءات الرسمية التي لم تنجح في تهدئة الغضب الشعبي المتزايد، خاصة مع تواتر شهادات محلية تؤكد وجود ضغوطات مورست على العائلة، وتلميحات إلى محاولات طي الملف بطرق مشبوهة، وصلت إلى حد الحديث عن محاولات “شراء صمت الأم“.
قضية مفتوحة… وتأسيس لجنة
في هذا السياق، أعلن عن تأسيس “لجنة الحقيقة والمساءلة في ملف مقتل الراعي محمد بويسلخن”، وهي مبادرة من مناضلين وحقوقيين ينتمون إلى فروع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بجهتي خنيفرة بني ملال ودرعة تافيلالت، ضمت 14 عضوا من منسقين، ومقررين، ومستشارين، وأعضاء مكلفين بدعم التواصل، والجانب القانوني، والاجتماعي، وأكد بيان اللجنة أن الغاية من تأسيسها هي مضاعفة الجهود لكشف الحقيقة، وفرض المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، بعد ما اعتبره البيان “افتعال رواية انتحار وهمية لتضليل العدالة”.
اللجنة استندت في انتقادها، الوارد ضمن بلاغها، إلى قصاصة إخبارية وُصفت بـ”المشبوهة”، جرى تعميمها عبر صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي، تحدثت عن “انتحار الطفل”، وهو ما تم اعتباره “محاولة مبكرة لتسويق رواية رسمية تخدم جهات بعينها”، ولفت البلاغ الانتباه إلى وجود “شبكة تدوينية محلية كانت تتلقى معطيات جاهزة منذ أزمة كوفيد”، ما يطرح “تساؤلات عريضة حول الأطراف التي كانت تسعى لتوجيه الرأي العام الإقليمي”، على حد البلاغ.
قافلة ميدانية ووقفة وطنية
الموقف الحقوقي لم يكتف بالإدانة، بل ترجم ميدانيا من خلال قافلة حقوقية نحو “مسرح الجريمة”، كانت قد نظمت بتاريخ 15 يوليوز 2025، تخللتها وقفة رمزية بمركز أغبالو نسردان، شارك فيها نشطاء وفاعلون مدنيون وسكان محليون، فضلا عن أفراد من أسرة الفقيد، ووفق مصادر من المنظمين، فقد جاءت هذه الخطوة للضغط من أجل كشف الحقيقة، ومساءلة كل من له صلة محتملة بوفاة محمد، مع التأكيد على أن “الأطفال في المناطق المهمشة يستحقون الحماية لا الاستغلال“.
وكانت أسرة الطفل قد سبق أن انتقلت إلى الرباط، حيث نظمت وقفة أمام مقر رئاسة النيابة العامة، مطالبة بفتح تحقيق نزيه ومعمق في ملابسات الوفاة، ومؤازرة من قبل “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” التي بدورها رفعت مذكرة مطلبية مشفوعة بطلب رسمي لفتح تحقيق شامل، وتم توثيق العديد من التصريحات من طرف العائلة، تضمنت تلميحات إلى “ضغوطات وتناقضات رافقت مراحل التحقيق الأولي”، في وقت أكدت فيه الأسرة توصلها بتطمينات غير رسمية تفيد بأن التحقيقات ستأخذ مجراها دون تدخل أو تلاعب.
اختناق.. والأبحاث جارية
من جهته، كان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرشيدية قد أصدر بلاغا رسميا، جرى تعميمه على المنابر الاعلامية ومنصات مواقع التواصل الاجتماعي، أكد فيه “فتح تحقيق قضائي فور العثور على الجثة”، مشيرا إلى أن تشريحا طبيا أوليا كشف عن وفاة ناتجة عن “اختناق بالحبل دون وجود آثار لاعتداء جسدي أو جنسي”، غير أن البلاغ ترك الباب مفتوحا، إذ أشار إلى أن “الأبحاث ما زالت جارية، وأن النيابة العامة ستتخذ الإجراءات المناسبة بمجرد انتهاء التحقيقات”.
وفي خطوة اعتبرت إيجابية لكنها غير كافية، حسب ما تم تداوله، قامت فرقة الشرطة العلمية ب “أخذ عينات من لعاب عدد من الأشخاص، من بينهم والد الطفل، إضافة إلى الحبل المستعمل في الشنق وملابس الضحية، لإجراء الخبرة التقنية اللازمة”، وراج أيضا ما يؤكد الاستماع إلى بعض “المشتبه فيهم” ممن أشارت لهم أصابع الاتهام إن من طرف العائلة أو الإعلام.
مأساة بجراح الهامش
يذكر أنه في صبيحة يوم الإثنين 16 يونيو 2025، استفاقت ساكنة دوار آيت زعرور، التابع لمركز أغبالو إسردان بإقليم ميدلت، على فاجعة غير مألوفة: جثة طفل قاصر وجدت مشنوقة في مشهد مأساوي، وهو المشهد المفزع الذي سرعان ما اخترق حدود الجغرافيا الجبلية النائية، ليزلزل وجدان المغاربة جميعا، ويشعل نقاشا وطنيا ما يزال مستمرا حول ملابسات الحادث، ومشروعية رواية “الانتحار المفترض”، التي تبنتها السلطات في بادئ الأمر، رغم رفضها الواسع من طرف العائلة والسكان والحقوقيين.
محمد بويسلخن، طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، كان يعمل راعيا في ظروف مناخية وجغرافية قاسية، اختفى لساعات بعد خروجه لرعي القطيع، قبل أن يعود القطيع وحيدا إلى بيت مشغله، ويُعثر لاحقا على محمد جثة هامدة، معلقة بحبل إلى عمودين خشبيين قرب مجرى مائي، صورة الجثة وشكل التعليق ومحيط الواقعة، أثارت منذ اللحظة الأولى شكوكا جدية، كما فتحت الباب أمام سيل من التساؤلات العاجلة حول احتمال أن يكون الطفل ضحية جريمة مدبرة لا انتحارا مفترضا كما تم تداوله.
انهيار الروايات تحت الواقع
رغم محاولة تسويق فرضية “الانتحار”، لم تنجح أطراف معينة في إقناع أسرة الضحية، ولا الرأي العام، ولا حتى جزء من المتتبعين الميدانيين، فالمعطيات الأولية، بدء من طريقة تثبيت العمودين الخشبيين، ووضعية الركبتين اللتين كانتا تلامسان الأرض، مرورا بأداة الشنق، ووصولا إلى الحالة النفسية المستقرة نسبيا للطفل، وفق إفادات المقربين، كلها مؤشرات تعارض فكرة إقدامه على الانتحار، خاصة في مكان مكشوف، ووسط دوار يعرف فيه الجميع بعضهم.
وما زاد من تعقيد الصورة، هو الغياب المثير لأي تفسير رسمي واضح في الأيام الأولى، ما فُسر على أنه تباطؤ في التعاطي مع ملف حساس يستدعي أقصى درجات الشفافية والسرعة، خاصة أن الهشاشة الاجتماعية التي كانت تطوق الطفل، باعتباره قاصرا مجبرا على العمل بدل متابعة الدراسة، عمقت تعاطف المجتمع معه، ودفعت إلى إطلاق حملة رقمية (هاشتاك) تحت وسم #كلنا_محمد، سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم، وأعادت تسليط الضوء على معاناة أطفال الأطلس المنسي.
محاولات لإعادة رسم الحدث
مع تصاعد الضغط الحقوقي، شوهدت مصالح الدرك الملكي وهي تعيد الاستماع إلى والدي الطفل، وتعيد تمثيل الواقعة بمسرح الحادث، في إطار ما اعتبر توجها متأخرا نحو توسيع التحقيق، هذه التحركات الأمنية رافقتها شهادات من ساكنة الدوار، كشفت أن الطفل لم يكن يعاني من مشاكل نفسية أو سلوكية، بل كان مطيعا وهادئا ومحبا للحياة، الأمر الذي عزز فرضية الجريمة المغلفة بلبوس انتحار.
في الأثناء، بات منزل الأسرة مركزا لزيارات متعاطفين وحقوقيين وإعلاميين ونشطاء، وخرجت والدة الطفل بتصريح مؤلم تداولته المنصات الرقمية، قالت فيه: “دم محمد إينو في رقبة كل من صمت أو تستر”، هذه الجملة تحولت إلى شعار يتردد في الوقفات الاحتجاجية والمطالبات الحقوقية، فيما بقي غياب بلاغ رسمي شامل من الجهات القضائية طيلة الأيام الأولى علامة استفهام كبيرة.
حقوقيون يقرعون الأجراس
في خضم التوتر المتصاعد، خرجت هيئات حقوقية عن صمتها، موضحة أن محمد كان ضحية هشاشة اجتماعية مزمنة، واحتمال ضحية جريمة عنف صامتة، وطالبت بفتح تحقيق نزيه وسريع مع ترتيب المسؤوليات المحتملة، مع التعبير عن استغرابها من تأخر نتائج التشريح الطبي، مؤكدة أن طول الانتظار يفاقم الشكوك ويزيد من احتمالات التأويل والتضليل، مقابل غياب المعلومة الرسمية، فيما انخرطت بعض التنظيمات السياسية الشابة، على رأسها الشبيبة الاتحادية، في إصدار بيانات تندد بـ”الصمت الرسمي غير المبرر”، والمطالبة بعدم التستر على أية جهة، وبضمان شروط العدالة ومواجهة أي محاولة لطمس الحقيقة.
محام يحذر من طي الملف
دخل ذ. صبري الحو، المحامي بهيئة مكناس والخبير في القانون الدولي، على خط قضية وفاة الطفل الراعي، وذلك بزيارة ميدانية إلى مكان العثور على الجثة بدوار آيت زعرور، وزيارة تعاطفية لعائلة الضحية، توجها بتصريحات دقيقة على صفحته الرسمية، دعا فيها إلى فتح مسار جديد من التحقيق، يقوم على المعاينة العلمية والتشريح المستقل، مؤكدا أن “الرواية المتداولة حول الانتحار لا تصمد أمام الواقع ولا أمام منطق إعادة تمثيل الفعل”.
وأكد ذ. الحو أن “إعادة استخراج الجثة ومعاينتها من جديد تمثل خطوة ضرورية لكشف الحقيقة، خاصة بهدف التحقق من وجود آثار للعنف”، مشددا على أهمية “إجراء تشريح طبي جديد من طرف لجنة طبية ثلاثية أو عبر الفرقة العلمية التابعة للشرطة القضائية أو الدرك الملكي، بغرض التأكد من أن الوفاة لم تكن نتيجة فعل جرمي”، وأضاف أن المعاينة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي وسيلة إثبات أساسية في القانون الجنائي، تنقل بدقة “حقيقة الفعل المرتكب، ومكان ارتكابه، والوسائل المستخدمة في ذلك، والكيفية التي نفّذ بها”.
واعتبر أن “مسرح العثور على الجثة هو شاهد صامت، ينطق بقرائن مادية يصعب إنكارها”، محذرا من “تجاهل أهميته في بناء الحقيقة الجنائية”، وفي وصف دقيق لأهمية المعاينة، كتب قائلا “المعاينة لا تجامل، لا تحابي، لا تفتري، إنها مرآة صادقة ترسم صورة مادية واقعية في ذهن القاضي والمحقق، وتساعدهم على تحديد فرضيات حقيقية، بعيدا عن التصورات الذهنية أو الافتراضات المسوقة مسبقا”.
الحق في الشك لأجل الحقيقة
وفي ضوء ما عاينه شخصيا من تضاربات، أشار ذ. الحو إلى “وجود شبه إجماع بين من زاروا مسرح الجريمة أو استمعوا للعائلة، على أن فرضية الانتحار تبقى مجرد احتمال غير مقنع، بل مستبعد منطقيا، خاصة مع وجود أقوال وشهادات قوية ترجح احتمال وقوع نزاع أو شنآن بين الطفل وشخص ما قبل وفاته، ما يستوجب إعادة بناء الفرضيات، لا الاستسلام لواحدة منها”.
وبينما شدد على أن “العائلة تمارس حقها الطبيعي والمشروع في الشك والبحث عن الحقيقة، وأن هذا الحق مكفول دستوريا وقانونيا، ومن واجب الدولة أن تضمنه لها”، أكد ذ. الحو أن “إعادة التحقيق لا يجب أن تقتصر على مجرد إجراءات شكلية، بل ينبغي أن تشمل مراجعة شاملة لكل ما تم إنجازه من تقارير وإفادات، بما في ذلك استبعاد التقرير الطبي الأول في حال ثبوت تقصير أو غياب الحياد، وتكليف فرق علمية وتقنية متخصصة بإجراء المعاينات والخبرات البيولوجية، ومنها أخذ عينات الحمض النووي مجددا”.
وكتب الأستاذ الحو في هذا السياق: “نحن كدفاع نطالب بتحقيق دقيق ومعمق يبدأ من جديد، ينطلق من عين المكان، ويشمل إخراج الجثة، وإعادة تشريحها، وإعادة ترتيب كل الإجراءات وفق منهجية دقيقة بإشراف مباشر من النيابة العامة، وتحت مراقبة رئاستها المركزية بمحكمة النقض“، وختم الأستاذ صبري الحو مداخلته الحقوقية بتأكيده أن الاقتناع بفرضية الانتحار صعب التصديق، حتى ضمن تصور علمي لإعادة بناء الواقعة عمليا، ما يجعل القضية في حاجة ماسة إلى دفعة جديدة من البحث الجاد، بالوسائل العلمية الدقيقة، لا بالافتراضات التقليدية.