دعوة حقوقية لاعتصام ليلي أمام استئنافية الراشيدية لكشف ملابسات وفاة “راعي أغبالو” وتحقيق العدالة

0
أحمد بيضي
في ظل التفاعل الحقوقي والاجتماعي المتصاعد، تواصل قضية مقتل الطفل الراعي محمد بويسلخن (محمد إينو)، الذي وجد “مشنوقا” في ظروف ملتبسة بدوار آيت زعرور بجماعة أغبالو في إقليم ميدلت، وما أثاره ذلك من موجة غضب واستنكار عبر عدة جهات ومدن مغربية، لا سيما مع ظهور مؤشرات تدحض الرواية الرسمية التي تحدثت عن “انتحاره”، فقد عقدت “لجنة الحقيقة والمساءلة” المكلفة بمتابعة القضية اجتماعها التنظيمي يوم الاثنين 4 غشت 2025، حيث خلصت إلى ضرورة تعزيز النضال الجماعي لتحقيق العدالة وتقديم الجناة إلى القضاء، معتبرة الحادثة “جريمة قتل بشعة” تستدعي اليقظة والتحقيق.
اللجنة اتسعت قاعدتها وضمت فروع “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” من مناطق زاكورة وتنغير وخنيفرة وزاوية الشيخ وميدلت وبومالن دادس ومريرت وتادلة وأبي الجعد وورزازات، بالإضافة إلى المكتب الجهوي درعة تافيلالت، واللجنة المحلية أسول، وكلها اشتركت في بيان مشترك دعت فيه مناضلات ومناضلي التنظيمات السياسية والنقابية والمدنية إلى مؤازرة الأسرة ودعمها، والبداية من تنظيم “اعتصام ومبيت ليلي أمام مقر محكمة الاستئناف بالرشيدية”، مع التأكيد على “استمرار متابعة القضية حتى تحقيق العدالة وإنصاف الأسرة”، في أفق الدخول في أشكال احتجاجية سيتم تسطيرها وتنفيذها حسب مصادر من اللجنة.
وبعد تذكيرها بحكاية الطفل محمد الذي كان يبلغ من العمر 15 سنة، والذي عثر عليه جاثيا على ركبتيه بحبل غير ملتف حول عنقه وبدون أي عقدة، مثبت على أعواد خشبية مهترئة تستعمل لرفع أنبوب بلاستيكي، وهي وضعية غريبة لا تتوافق مع أي منطق يبرر فرضية الانتحار، جددت “لجنة الحقيقة والمساءلة” تنويهها ب “صمود العائلة في مواجهة ظروفها الاجتماعية القاسية التي تكذب شعارات الحماية الاجتماعية”، ولتأكيد أن “ما تعرض له الطفل من حرمان من حق الدراسة، واستغلاله في نظام إنتاجي متخلف، وتعرضه للتهديدات، حسب البيان، يشكل مؤشرات واضحة على استهدافه ضمن منظومة اجتماعية تنهب حقوق الفئات الهشة”.
البيان الصادر عن اللجنة لم يفتها فيه توجيه شكرها لكل المنابر الإعلامية التي ساهمت في كشف الملابسات خلال الندوة الصحفية التي نظمت في مقر “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، بالرباط، يوم 31 يوليوز 2025، كما أدانت ما وصفته بـ “صفحات العار” في إقليم ميدلت التي “سخرت من القضية وساهمت في غسل يد الجاني”، مشددة على دور لجنة الحقيقة والمساءلة في “كشف الجريمة ومواصلة دعمها للأسرة، وتوجيهها على الشق القانوني بحشد فريق من المحامين المؤهلين لتمثيلها”، بينما “شجبت المواقف المتخاذلة التي تحاول تكريس الإفلات من العقاب”، سيما أن “العديد من المعطيات تفند رواية الانتحار” وفق مصادرنا الحقوقية.
من بين ما أثارته اللجنة، مطالبتها بتعميق البحث القضائي حول “الأفعال المشبوهة التي رافقت الحادثة، بدء من تواجد شخص يعتبره الأب مشتبها به في مقر الدرك يوم استدعائه لتقديم تصريحه، مرورا برواية الانتحار المتسرعة التي تبناها الدرك رغم غياب الأسس القانونية والمنطقية لها، ثم رفض عناصر الوقاية المدنية التدخل لنقل الجثة، في مقابل قيام مستشار جماعي مرتبط بعلاقات أسرية بالمشتبه به بنقلها بسيارة إسعاف غير مرخصة”، وهو ما اعتبرته اللجنة “تهريبا لتلافي تصوير مسرح الجريمة”، كما أوضحت أن والدة الضحية “ظلت تردد اتهاماتها أمام رجال الدرك، دون أن يباشر أي إجراء رسمي، وقامت بطرد المشتبه به من مراسيم العزاء أمام كل سكان القرية”.
وفي ذات السياق، نبهت “لجنة الحقيقة والمساءلة” إلى “مخالفة الإجراءات القانونية حين رفضت الأسرة مرافقة الجثة للتشريح، في حين رافقها أشخاص لا تربطهم علاقة بها، وثلاثة منهم بسيارة خاصة، بالإضافة إلى تأمين طبيب للتشريح بفضل نفوذ المشتبه به رغم أن التشريح كان من المفترض أن يُؤجل”، مع ملاحظة غريبة حول “المدة الطويلة التي استغرقتها نقل الجثة من أغبالو إلى الرشيدية، مقارنة بالمدة الطبيعية”، كما أن الطفل “لم يكن وحده بل كان مع مجموعة من الرعاة في المكان الذي عثر عليه فيه”، كل هذه المعطيات عززت شكوك اللجنة التي وجهت أصابع الاتهام لشخص بعينه في المنطقة.
لم تتردد اللجنة المذكورة أيضا في تحميل السلطات المعنية ومراكز القرار “مسؤولية الانتهاكات التي تعرض لها الطفل، من خلال التراخي في حماية مسرح الجريمة وملحقاته، وترجيح رواية الانتحار رغم كل الأدلة التي تتعارض معها”، بما في ذلك “وضعية الجثة والتهديدات التي تعرض لها الطفل وأسرته قبل الحادثة”، معتبرة أن ذلك “يعكس تواطؤا ضمنيا من بعض الجهات لتغطية الحادثة”، فيما لم يخل البيان من “إدانة محاولات التشويش والتضييق على عمل اللجنة، التي وصفتها بأنها متعمدة، مما يشكل محاولة لطمس الحقيقة وتمكين الجناة من الإفلات من المساءلة والعقاب” بأشكال سافرة.
هذا التصعيد الحقوقي جاء في أعقاب ندوة صحفية كشفت تفاصيل الواقعة، حيث “نفت والدة الطفل كل ما يشير إلى تعرضه لمشاكل نفسية أو أسباب تدفعه إلى الانتحار”، مؤكدة “تعرضه لتهديدات من طرف شخص معروف بالمنطقة، مما يعزز فرضية وقوع جريمة قتل مدبرة”، ولفتت إلى أن “الأسرة واجهت صعوبات كبيرة في التعامل مع الجهات الرسمية، حيث تعرضت للإهمال والتجاهل، خصوصا في مراحل نقل الجثة وإجراءات التشريح، إذ منعت الأسرة من مرافقة الجثمان، في مخالفة صريحة للقانون والأعراف المتعارف عليها”، كما “تم نقل الجثة بسيارة إسعاف غير مرخصة بواسطة طرف سياسي، وسط غموض يحيط بهذه العملية”.
كشفت العائلة عن تفاصيل إضافية مؤلمة، حيث أوضحت أن “محمد كان يعمل راعيا في ضيعة مملوكة لشخص نافذ في المنطقة، الذي اتهمه في وقت سابق بسرقة محصوله من البرقوق، رغم استعداد العائلة لتقديم تعويض عن أي ضرر، وفي مساء نفس اليوم، وجد محمد مقتولا بالقرب من مجرى مائي، في وضعية مثيرة للريبة أثارت استغراب الجميع، وسط صمت محيط الضيعة والعمال فيها”، بينما أشار عضو “لجنة الحقيقة والمساءلة”، كبير قاشا، إلى أن “الحادثة تحمل غموضا مزدوجا: يتعلق الأول بملابسات الوفاة، والثاني بطريقة تعامل السلطات مع الجثة والأسرة، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول مدى جدية وكفاءة التحقيقات الجارية”.
الحقوقيون المشاركون في الندوة أبرزوا عدة “مؤشرات تدعم فرضية القتل العمد”، منها “نقل الجثة من مكان الحادث إلى وجهات متعددة بطرق غير قانونية، ووضع الجثة بطريقة توحي بأنها محاولة تمثيل حادثة انتحار، بالإضافة إلى وجود ما يرفع من تعزيز الشكوك حول وجود محاولة للتستر على الحقيقة”، ولم يكن غريبا أن تحمل القضية بحوالي سبعين مواطنا من منطقة قلعة مكونة إلى توجيه شكاية إلى رئيس النيابة العامة بالرباط، طالبوا فيها بفتح تحقيق معمق ومستقل، مع ضمان إعادة التشريح الطبي خارج جهة درعة تافيلالت، وتوفير نسخة من نتائج التشريح إلى الأسرة، إحقاقًا لحقها في المعرفة والعدالة.
ومع هذه التطورات، سجلت “لجنة الحقيقة والمساءلة” عقدها لاجتماعات تقييم للخطوات النضالية التي تقوم بها أو تنوي القيام بها، من بينها الندوة الصحفية والوقفة الاحتجاجية التي نظمت أمام مقر رئاسة النيابة العامة، كما تواصل التنسيق الحقوقي لإطلاق محطات نضالية جديدة تهدف إلى تعزيز الضغط من أجل تحقيق العدالة وإنصاف الأسرة، تبقى هذه القضية دعوة مستمرة للمجتمع المدني والهيئات الحقوقية والفاعلين السياسيين والاجتماعيين للتضامن مع الأسرة والضغط على السلطات لفتح تحقيقات نزيهة، ولتعزيز منظومة حماية حقوق الطفل، خاصة في المناطق القروية والهامشية، حيث تسود بيئات غامضة تتكرر فيها مظاهر الاستغلال والتهميش.
ومن جهته، أكد المحامي صبري الحو، المكلف بالدفاع عن الأسرة، أن “القضية تحمل تعقيدات كبيرة، وأن البحث الأولي مليء بالعراقيل والقيود التي تعيق الكشف الكامل عن الحقيقة”، مشيرا إلى أن “إعادة فتح التحقيق من جديد ومن البداية هو السبيل الوحيد للوصول إلى نتائج عادلة وشفافة”، وأعلن “تحمله المسؤولية القانونية كاملة في حال عدم تحقيق أي تقدم يذكر في هذه القضية التي أصبحت قضية رأي عام وموضوع اهتمام وطني”، ذلك وسط مطالب شعبية متزايدة بكشف كامل للحقائق وتقديم كل المتورطين إلى العدالة، مع التأكيد أن المسيرة نحو العدالة وحقوق الإنسان لا يمكن أن تتحقق إلا بجهود متواصلة وإرادة قوية.