المحكمة الابتدائية بخنيفرة تحتضن مائدة مستديرة استعدادا لتنزيل تعديلات قانون المسطرة الجنائية

0
أحمد بيضي
في إطار دينامية النقاش القانوني المتجدد حول مستجدات السياسة الجنائية بالمغرب، نظمت المحكمة الابتدائية بخنيفرة، زوال يوم الأربعاء 29 أكتوبر 2025، مائدة مستديرة خصصت لتدارس مضامين القانون رقم 03.23 المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، والذي صدر مؤخرا في الجريدة الرسمية بعد جدل تشريعي واسع، في انتظار دخوله حيز التنفيذ خلال شهر دجنبر المقبل.
اللقاء، الذي ترأسه ذ. سعيد بوهلال، رئيس المحكمة الابتدائية بخنيفرة، جاء في إطار تفعيل الدورية الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية رقم 25/29، والمتعلقة بالتكوين الداخلي لفائدة القضاة في شأن المستجدات الجوهرية التي حملها النص القانوني الجديد، بما يعكس إرادة المؤسسة القضائية في تنزيل مقتضياته على نحو ينسجم مع المبادئ الدستورية ومع الالتزامات الدولية للمملكة في مجال العدالة وحقوق الإنسان.
في كلمته الافتتاحية، أكد رئيس المحكمة على أهمية اللقاء في تكريس فلسفة الإصلاح التشريعي التي تضع حماية الحقوق والحريات في صلب تحديث العدالة الجنائية، من خلال مراجعة عدد من القواعد الإجرائية بما يضمن المحاكمة العادلة وفق مقتضيات الدستور وروح الاتفاقيات الدولية، كما أشار إلى أن اللقاء يندرج ضمن نهج تشاركي يروم بلورة تصور موحد لتفعيل القانون الجديد على أساس نقاش متوج بخلاصات وتوصيات عملية.
وقد تميزت الجلسة بمداخلات نوعية، قدمها عدد من القضاة والخبراء القانونيين، حيث افتتح ذ. يونس مصباح سلسلة العروض بورقة حول موضوع “المحاكمة وصدور الحكم”، متبوعا بمداخلة ذ. عبد الإله العباسي حول “ممارسة الدعوى العمومية”، أما ذة. فردوس الزيات فقد تناولت موضوع “الشكايات المباشرة”، في حين سلط ذ. المصطفى حافظ الضوء على “اختصاصات قاضي تطبيق العقوبات” ليختتم ذ. محمد فخر الدين العروض بورقة حول “التحقيق الإعدادي”، مبرزا المستجدات التي جاء بها القانون في هذا الباب.
العروض الخمسة توزعت على أهم المواد والفصول التي شملها التعديل، والتي أثارت نقاشا واسعا بين الفاعلين الحقوقيين والقانونيين، لما تضمنته من مقتضيات جديدة تروم ترشيد العدالة الزجرية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، ومن أبرز ما حمله النص القانوني من إصلاحات، تحصين حقوق الدفاع، وتعزيز قرينة البراءة، وضمان الحق في محاكمة داخل أجل معقول، مع إلزامية إخبار المشتبه فيه بحقوقه وتمكينه من التواصل مع محامٍ منذ اللحظة الأولى لتوقيفه، والحد من اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي إلا في الحالات القصوى المبررة.
القانون الجديد أقر بدائل حديثة عن الاعتقال، ووسع من حقوق الضحايا لتشمل الدعم القانوني والاجتماعي والإشعار بمآل الدعوى، كما نص على إلزامية حضور المحامي عند الاستماع إلى الأحداث وذوي العاهات، وتمكينه من حضور استنطاق النيابة العامة للمتهم وتقديم الوثائق والأسئلة والملاحظات، ومن بين أبرز الضمانات الجديدة كذلك، إلزامية تسجيل تصريحات المشتبه فيهم في الجنايات والجنح المعاقب عليها بخمس سنوات سجنا أو أكثر، مع منح المحكمة الحق في الاطلاع على التسجيلات.
وشملت المستجدات أيضا تعزيز الرقابة على قرارات الاعتقال عبر إلزامية تعليل أوامر الإيداع بالسجن، وإمكانية الطعن فيها أمام هيئات جماعية، مع تقليص مدد الاعتقال الاحتياطي، إذ خفّضت في قضايا الجنايات من خمس تمديدات إلى اثنتين فقط، وفي الجنح من مرتين إلى مرة واحدة، كما تم إدراج المراقبة الإلكترونية كبديل احترازي جديد، علاوة على التعديلات التي منحت قاضي التحقيق دورا محوريا جديدا، يتجاوز وظيفته الكلاسيكية ليصبح فاعلا أساسيا في حماية الحقوق وضمان شروط المحاكمة المنصفة.
وإلى جانب الرفع من تعزيز دور الدفاع، ومن مبدأ التدرج في الإجراءات وتعزز رقابة القضاء على أعمال البحث والتحقيق، أدخل المشرع آليات جديدة للصلح والتسوية الودية في عدد من القضايا ذات الطابع الخاص، كجرائم السب والقذف وبعض الاعتداءات البسيطة، مع إلغاء شرط المصادقة القضائية على محاضر الصلح، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط على المحاكم وتشجيع العدالة التصالحية.
القانون جاء أيضا بمفهوم “التجنيح القضائي”، الذي يتيح إمكانية إعادة تكييف بعض الأفعال من جنايات إلى جنح عندما تكون الأضرار بسيطة، ضمانا لتوازن العدالة بين صرامة الردع ومرونة الإصلاح، كما نظم بوضوح صلاحيات النيابة العامة في الإشراف على أعمال الشرطة القضائية، تأكيدا لمبدأ وحدة السلطة القضائية واستقلالها، ليجمع المشاركون على أن هذه التعديلات تمثل نقلة نوعية في السياسة الجنائية المغربية، لكونها تؤسس لعدالة أكثر إنصافا ونجاعة، وتكرس مقاربة إنسانية في التعاطي مع العقوبة والاعتقال،
ومن خلال المداخلات التي شهدها اللقاء، اتضح – وفق ما أبرزته ورقة ذ. يونس مصباح – أن التشريع المغربي حرص، عبر القانون رقم 03.23، على السعي إلى إيجاد أجوبة قانونية على التطور الكمي والنوعي للجريمة، في ظل تنامي أشكالها وتعقد وسائلها، وأكد أن القانون الجديد ينبني على مجموعة من المرجعيات والأسس والثوابت الوطنية التي تؤطر توجهات ومعالم السياسة الجنائية المغربية، حيث سعى المشرع إلى إقرار قانون إجرائي عصري يواكب التطورات التشريعية والحقوقية.
كما أشار ذ. مصباح إلى أن المشرع أخذ بعين الاعتبار الملاحظات التي أفرزتها الممارسة العملية خلال تطبيق النص السابق، فعمل على تجاوز سلبياتها من خلال وضع قواعد إجرائية دقيقة تراعي الضوابط والمعايير الدولية، وفي مقدمتها مبدأ الضرورة الذي يقتضي عدم المساس بالحرية إلا في الحدود التي تفرضها المصلحة العامة، ومبدأ التناسب الذي يوازن بين الحق المراد حمايته والحرية المقيدة، ومبدأ الشرعية الذي يربط كل إجراء بضوابط قانونية صريحة، إضافة إلى مبدأ قرينة البراءة باعتباره أحد أعمدة العدالة الجنائية العصرية.
ومن بين الخلاصات والتوصيات العملية التي وردت في أشغال اللقاء، اختار ذ. محمد فخر الدين مثلا التأكيد أن المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23 تمثل تحولا جوهريا في فلسفة التحقيق الإعدادي، بما يعزز الضمانات الإجرائية ويرسخ مبادئ العدالة الجنائية الحديثة، وزاد ذ. فخر الدين فشدد على ضرورة الالتزام الصارم بالشكلية الإجرائية في مختلف مراحل التحقيق، باعتبارها ضمانة أساسية للمحاكمة العادلة، مع الحرص على توثيق حضور المحامي وتمكينه من ممارسة كامل حقوق الدفاع.
ودعا بالتالي إلى تفعيل الصلاحيات الجديدة المنصوص عليها في المادة 87 وما يليها، ولا سيما ما يتعلق بالبحث الاجتماعي والمالي والفحص الطبي، مع الالتزام بأجل الاعتقال الاحتياطي الذي حدد في شهر واحد في الجنح وشهرين في الجنايات، قابلة للتمديد ضمن حدود قانونية مضبوطة، كما شدد على أهمية إعمال الرقابة القضائية كبديل عن الاعتقال الاحتياطي كلما توفرت شروطها القانونية، وضرورة تعزيز التنسيق بين قضاة التحقيق وقضاة النيابة العامة خلال مرحلتي البحث والتحقيق الإعدادي، لتفادي حالات البطلان.
وفي السياق ذاته، أوصى بضرورة تقديم ملتمسات دقيقة ومعللة عند طلب تمديد الاعتقال الاحتياطي أو اتخاذ تدابير المراقبة القضائية، إلى جانب مراقبة مدى احترام الضابطة القضائية للشكليات القانونية أثناء الأبحاث الأولية، وضمان سرعة الإحالة على التحقيق تفاديا لأي تأخير غير مبرر، ولم تفته الدعوة إلى احترام الضمانات الإجرائية الأساسية من قبيل الاستدعاء، والتبليغ، وحضور المحامي عند الاقتضاء، وتحرير المحاضر وفق المقتضيات القانونية تجنبا للبطلان لاحقًا، مع التقيد بالآجال القانونية لإنجاز الأبحاث.
في ختام المائدة المستديرة، لم يفت رئيس المحكمة الابتدائية بخنيفرة، ذ. سعيد بوهلال، أن يمهد لباب المناقشة بكلمة دقيقة تناول فيها بالتحليل جملة من القضايا الجوهرية التي جاء بها القانون الجديد للمسطرة الجنائية، مبرزا أن المشرع المغربي، من خلال هذا الإصلاح، سعى إلى ترميم عدد من الثغرات والنقائص التي أبانت عنها الممارسة العملية، وإلى سد مكامن القصور التي كانت تعترض مسار العدالة الزجرية على مستويات متعددة.
وأوضح رئيس المحكمة أن النص الجديد نجح، في كثير من مقتضياته، في تجاوز الإشكالات التي كانت مطروحة سواء في مرحلة البحث التمهيدي أو أثناء التحقيق والمحاكمة، معتبرا أن المشرع حرص على ملاءمة النصوص الإجرائية مع روح الدستور ومع المعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، كما أشار إلى أن القانون الجديد تراجع عن المصادقة على بعض الإجراءات التي كانت بيد رئيس المحكمة، في اتجاه تعزيز مبدأ التخصص وتوزيع الصلاحيات بما يضمن استقلالية القرار القضائي وتوازن السلطات داخل منظومة العدالة.
وأكد في مداخلته أن المحكمة الابتدائية بخنيفرة تستعد، بمعية السادة القضاة وأطر المحكمة، لاتخاذ الإجراءات العملية الكفيلة بضمان حرية الأفراد وحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة بمختلف تجلياتها، وتكييف العمل القضائي مع المستجدات التي حملها القانون الجديد، وفي هذا السياق، توقف عند أهمية التفريق المفاهيمي بين القبض على المتهم واعتقاله والإفراج عنه، باعتبارها إجراءات محكومة بمبدأ المحاكمة العادلة وضمان حق المتقاضين في العرض السليم على المحاكم المختصة.
كما لفت إلى ما حمله النص من جديد بخصوص الحكم الغيابي القابل للاستئناف، والذي يمثل تطورا في فلسفة التقاضي يهدف إلى تكريس حق الدفاع وضمان المساواة بين الأطراف، فضلا عن التطرق إلى إشكالات التنفيذ في بعض المقررات والمنازعات التي لا تزال تطرح صعوبات على مستوى التنزيل العملي، وفي معرض حديثه عن الشكايات المباشرة، أوضح رئيس المحكمة أنها شكلت محورا أساسيا في التعديلات الجديدة، لما تطرحه من رهانات تتعلق بتوازن الحقوق بين المشتكي والمشتكى به.
وختم كلمته بالتعبير عن أمله في أن تحقق هذه المستجدات التشريعية الغايات المرجوة منها، بما ينسجم مع الحقوق الدستورية والقوانين الوطنية، مؤكدا أن بلوغ هذه الغايات رهين بانخراط جميع المؤسسات، بما فيها المؤسسات الدستورية، في أداء أدوارها وصلاحياتها على نحو سليم يرسخ دولة الحق والقانون.