ندوة إقليمية موسعة بخنيفرة لتشريح أسباب وتحديات ظاهرة الهدر المدرسي واستعراض الآليات الممكنة للحد من نزيفها

0
أحمد بيضي
تحت شعار “الهدر المدرسي: مسؤولية جماعية وتحد تنموي”، وبعبارة محفزة: “كيفما كانت الظروف… منفرّطش فقرايتي”، احتضنت الثانوية الإعدادية الزاوية، بالعاصمة الدلائية آيت إسحاق، بخنيفرة، يوم الخميس 27 نونبر 2025، ندوة إقليمية حول ظاهرة الهدر المدرسي، نظمتها المديرية الإقليمية للتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وتقدم لتسييرها ذ. بلعيد حينة، والتي جاءت ضمن استراتيجية تروم الإدماج المباشر للمتعلمات والمتعلمين، وإعادة بناء علاقة ثقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع وباقي المتدخلين والأطراف المعنية في سبيل الارتقاء البشري واعتبار الهدر المدرسي ظاهرة تمس جوهر التنمية الإنسانية والاجتماعية.
إلى جانب المديرة الإقليمية للتربية الوطنية، وممثلين عن الأكاديمية للتربية والتكوين، حضر اللقاء طيف من رؤساء مصالح المديرية ومديري المؤسسات التعليمية وأطر التفتيش والتوجيه ومركز التفتح للتربية والتكوين والنقابات التعليمية، وجمعيات الأمهات والآباء، فضلا عن ممثلي الصحافة الوطنية ومكونات المجتمع المدني، حيث تقدمت المديرة الإقليمية، ذة. صفاء قسطاني، بكلمة وضعت فيها الحضور في دلالة اللقاء، مع استعراض مخاطر نزيف الظاهرة وما تفرضه من جهود وتدابير علاجية تجعل المتعلم محور العملية التربوية عبر مختلف المقاربات والرؤى التشاركية والأنشطة المدرسية، ومذكرة بانخراط مراكز الفرصة الثانية في العملية.
وبعد كلمة مدير المؤسسة المضيفة للقاء، الثانوية الاعدادية الزاوية الرائدة، الذي بسط فيها جهود وتدبير ومبادرات مؤسسته للتقليص من ظاهرة الهدر المدرسي، شارك المدير المركزي لمديرية التمدرس الاستدراكي والمدرسة الدامجة، ذ. حساين أوجور، عبر مداخلة عن بعد، ركز فيها على أهمية التعبئة من أجل الحد من الظاهرة التي لا زالت تؤرق مجتمعنا المغربي، وأن مقل هذه اللقاءات تضع الأصبع على مكامن الخلل حتى تكون المدرسة هي المكان المناسب لتلامذتنا وناشئتنا.
وقد عرفت الندوة لحظات فنية وتوعوية مميزة قدمها تلاميذ مركز التفتح للتربية والتكوين، إذ بعد افتتاحهم للقاء بالنشيد الوطني، أبدعوا في أداء أغنيتين تحسيسيتين برسائل مباشرة وواضحة، “الهدر المدرسي مصيبة يا إنسان” و”مدرستي”، تحت إشراف مؤطر ورشة الموسيقى بالمركز، ذ. يوسف الرشيد، كما تم توزيع مطويات توعوية أعدها تلميذات وتلاميذ ذات المركز تحت إشراف مؤطرة ورشة القراءة، اذة. سميرة كوبالي، تضمنت تعريفا بظاهرة الهدر المدرسي وأسبابها ونتائجها ومقترحات للحد منها في أفق القضاء عليها، في تعبير جلي عن وعي ملموس لدى الأطفال بخطورة الظاهرة.

الإشكالات وسبل جاذبية المدرسة

أما ممثل الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، ذ. يونس منقادي، فقدم باسم المؤسسة الجهوية رؤية واضحة بخصوص ظاهرة الهدر المدرسي، باعتبارها إحدى أبرز الإشكالات والتحديات التي تواجه المنظومة التربوية على مستوى الجهة، مستعرضا في مداخلته معطيات رسمية حول مؤشرات الظاهرة وأسبابها، مبرزا أن توفر الجهة على 911 مؤسسة تعليمية لم يمنع استمرار واقع الظاهرة بشكل ملموس، بفعل الفوارق الاجتماعية القائمة، والفقر والهشاشة، وضعف البنيات التحتية، إلى جانب العزلة وصعوبة التنقل والبعد الجغرافي، فضلا عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والنقص المسجل في العرض التربوي.
وبعد تقديم جرد مفصل للإجراءات التي تعتمدها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين للحد من الظاهرة، من قبيل توسيع العرض التربوي، وتحسين خدمات النقل المدرسي، وإطلاق برامج الدعم التربوي، وتنظيم الأنشطة المدرسية، وتفعيل المقاربات التشاركية، دعا منقادي إلى ضرورة مواصلة تنفيذ برامج التمدرس الاستدراكي، وتعزيز حملات التعبئة والتحسيس، وتقديم دعم نفسي وتربوي للتلاميذ، إضافة إلى تفعيل أدوار المجتمع المدني وأولياء الأمور، والعمل على دمج الأنشطة الموازية بالأنشطة الثقافية والرياضية داخل المؤسسات التعليمية، والرفع أكثر من وتيرة الوعي بضرورة مواصلة مكافحة الهدر المدرسي وإرجاع المنقطعين إلى صفوف الدراسة.
ومن جانبه، قدم رئيس المجلس العلمي المحلي، ذ. عباس أدعوش، مقاربة تربوية أبرز فيها خلفيات ظاهرة الهدر المدرسي، مستحضرا حضور الإقليم في الندوة الوطنية التي احتضنتها الرباط يوم 8 أبريل الماضي حول الظاهرة، وبرؤية تنطلق من تجربته الشخصية كتلميذ ظل يحمل تجاه المدرسة إحساسا خاصا بالانتماء والرغبة، أوضح أن مفهوم “الهدر” يشبه في جوهره فعل السقوط الذي لا يجوز تركه يتكرر ما دام بالإمكان صناعة بيئة مدرسية جاذبة تحتضن المتعلم وتحبب إليه مساره الدراسي، واعتبر أن تكثيف الأنشطة داخل المؤسسات التعليمية، ولو عبر مبادرات بسيطة كـ «غرس شجرة»، كفيل بإحياء جاذبية المدرسة وربط التلميذ بمحيطه التربوي.

الصعوبات في صناعة جيل المستقبل

وفي الاتجاه ذاته، شددت ذة. فاطمة الصابري، المحامية والفاعلة المدنية، على أن الهدر المدرسي لم يعد مجرد مؤشر تربوي، بل ظاهرة تنخر المجتمع وتمس الجسد الشبابي بأكمله، معبرة عن أملها في أن تخرج الندوة بتوصيات قادرة على التحول إلى أرضية تشريعات مؤثرة، وأكدت أن أصوات اللقاءات العمومية كثيرا ما تدفع الدول إلى تبني قوانين جديدة تسائل المجتمع حول الأسباب وتحدد سبل المعالجة، مذكرة بأن الأسرة تعد من أبرز العوامل المؤثرة في مسار الطفل المدرسي، وأبرزت الصابري أن جل الأطفال الذين يصلون إلى السجون، وفق ما تفيده محاضر الضابطة القضائية، هم ممن انقطعوا عن الدراسة وسقطوا في مسارات الانحراف وتعاطي الممنوعات.
واعتبرت الصابري أن مواجهة الظاهرة ليست مسؤولية المعلم وحده أو الأسرة فحسب، بل مسؤولية جماعية تتقاسمها جميع فئات المجتمع، وأبدت أسفها لاستمرار الحديث عن بناء سجون جديدة خاصة بالأحداث، وتعيين قضاة متخصصين، دون التفكير الجدي في الإجراءات التي تحول دون انزلاق الطفل إلى هذه الوضعيات، أو في ضرورة تعزيز وجود المساعدين الاجتماعيين داخل المنظومة التربوية، ورغم التقدم التشريعي الذي حققته المملكة عبر القوانين والمواثيق الدولية، ترى المتدخلة أن الإشكال ما يزال قائما، بسبب استمرار صعوبات اجتماعية وبنيوية لا يمكن تجاوزها دون معالجة أسباب الهدر المدرسي من جذورها.
وفي سياق حديثها عن الظاهرة، أكدت المتدخلة على ضرورة استحضار ما يتعلق بتجويد المسالك والبنيات المدرسية، وبتحسيس الأسر بخطورة الانقطاع عن الدراسة، دون أن يفوتها التوقف عند معضلة زواج القاصرات الذي يعتبره بعض الآباء حلا اجتماعيا واقتصاديا، فيما عبرت في نهاية مداخلتها عن أسفها لتعثر صناعة جيل المستقبل الذي يفترض أن “يمسك القلم” بدل السيجارة أو المخدر أو السلاح، مشيرة إلى أن كل حالة انحراف تقف خلفها ظروف قاسية من فقر وهشاشة، وإلى أن بقاء فتيات قاصرات في وضعية أمومة دون هوية ولا تسجيل مدني يظل واحدا من أكثر تجليات الاختلال الاجتماعي إيلاما.

الصحة والحماية والمبادرة الوطنية

من جهته، قدم المندوب الإقليمي للصحة والحماية الاجتماعية، الدكتور محمد مروسي، عرضا ركز فيه على الدور المحوري الذي تضطلع به المنظومة الصحية في الاستثمار في الرأسمال البشري، مستحضرا تواريخ البرامج الصحية الموجهة للأطفال المتمدرسين في إطار الاستراتيجية الوطنية للصحة المدرسية، وأبرز مختلف الجوانب المتعلقة بتعزيز صحة الشباب والوقاية من الأمراض البدنية والسمعية والبصرية والمُعدية، إضافة إلى جهود التربية الصحية التي تروم التحسيس والوقاية، مرورا بعمليات التحديد والفحص والتشخيص المبكر، وصولا إلى التكفل وتتبع صحة التلاميذ بما يضمن لهم متابعة دراستهم في ظروف جيدة ويجنبهم الهدر والانقطاع.
وفي السياق ذاته، ذكر المندوب بما يتم تنزيله من مبادرات مشتركة بين قطاعي الصحة والتعليم، بناء على مضامين الاتفاقيات المبرمة بين وزارتي الصحة والتربية الوطنية، والتي تهدف في مجملها إلى “تحديد إطار عمل للتعاون من أجل إنشاء نظام للصحة المدرسية عبر اعتماد التنفيذ التدريجي على أساس مراحل محددة”، كما لم يفت المسؤول الإقليمي بقطاع الصحة الإشارة إلى خصوصيات الجغرافيا المحلية ومساحة الإقليم ذات الغالبية الجبلية والقروية، وما تستدعيه من التفكير في مشاريع تنموية مهيكلة، بما فيها إحداث مركبات تعليمية وصحية مشتركة، مؤكدا أن الحملات الطبية “ليست ترفا، بل استراتيجية بالغة الأهمية” في مثل هذه المجالات.
وتوقّفَت ممثلة قسم الشؤون الاجتماعية بعمالة الإقليم، ذة. نجاة الفيون، خلال مداخلتها عند الدور المركزي للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية في دعم التمدرس وتعزيز الرأسمال البشري منذ الطفولة وصولا إلى الشيخوخة، وذلك في إطار البرنامج الرابع المخصص للدفع بالتنمية البشرية للأجيال الصاعدة، واستعرضت مختلف مسارات التعاون القائم بين المبادرة ومديرية التربية الوطنية بهدف تشجيع التفوق الدراسي والحد من الهدر المدرسي، ودعم انفتاح الأطفال والشباب ومواكبة التلاميذ، إلى جانب الاهتمام بالأشخاص في وضعية هشاشة أو إعاقة، وفق مبادئ ترتكز على الفعالية والتعاقد وإلزامية النتائج والحكامة الجيدة.
كما أبرزت الفيون مجموعة من المبادرات الرامية إلى تحسين صحة الأم والطفل، معتبرة هذه البرامج من أولويات تدخلات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي انخرطت في إحداث دور الأمومة، وإنشاء وحدات للتعليم الأولي، واقتناء وسائل النقل المدرسي، وتوفير بنايات للإيواء من خلال بناء وتجهيز دور الطالب والطالبة والمراكز الاجتماعية، بما يسهم في الحد من الانقطاع عن الدراسة، ولم تغفل الإشارة إلى الجهود المبذولة في مجال الأنشطة الموازية والحملات الطبية، والمساهمة في توفير المستلزمات الطبية للمتمدرسين، إضافة إلى التذكير بمبادرة “مليون محفظة” التي انطلقت سنة 2008 واستهدفت ملايين التلاميذ.

نقاشات في مواجهة الظاهرة

وتعززت أشغال اللقاء بنقاش موسع تضمن مجموعة من المقترحات والتصورات العملية، خلصت إلى توصيات أكدت أن محاربة الهدر المدرسي ليست شأنا ظرفيا، بل مشروعا مجتمعيا يضع المدرسة في محور التنمية ويعزز قدرة الناشئة على الصمود أمام تحديات الهشاشة والانقطاع، كما شدد المتدخلون على أهمية استحضار الجانب النفسي في تكوين الأساتذة وفي مختلف التدابير الهادفة إلى الحد من الظاهرة، فضلا عن الدعوة إلى تعزيز حملات الكشف المبكر عن المشاكل الصحية، انسجاما مع مبدأ “العقل السليم في الجسم السليم”، وفي الاتجاه ذاته، تم التأكيد على ضرورة مساءلة الأسرة باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية في مواجهة الظاهرة.
ولم يغب عن دائرة النقاش الوضع الخاص بأطفال الأمهات العاملات في الحقول خارج الوطن، وما يواجهه الأطفال في وضعيات صعبة وهشة، إلى جانب الإشادة بدور بعض المؤسسات الطفولية (مثل مركز لالة أمينة نموذجا)، كما طرحت فكرة إحداث مرصد خاص بالسلوكيات الطفولية، وبناء رؤية حقيقية لواقع المدرسة العمومية، مع الدعوة إلى تعزيز نظام المنح الدراسية ومعالجة إشكال الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، وفي السياق نفسه، أثير موضوع غياب الإعلام العمومي عن مواكبة التربية والتكوين، مقابل التأكيد على أهمية الأعمال المسرحية والفنية والبرامج التربوية في ترسيخ قيم التعلم وتشجيع التمدرس.