يخلد العالم في الثالث من دجنبر من كل عام “اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة”، وهو موعد أممي أقرته الأمم المتحدة منذ سنة 1992 تأكيدا لضرورة تعزيز حقوق هذه الفئة والارتقاء بوعي المجتمعات في شأن إدماجها الشامل داخل مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، ويأتي تخليد سنة 2025 تحت شعار “تعزيز المجتمعات الشاملة لمسائل الإعاقة من أجل النهوض بالتقدم الاجتماعي”، وهو موضوع يستند إلى خلاصات مؤتمر القمة العالمي الثاني للتنمية الاجتماعية المنعقد بالعاصمة القطرية الدوحة ما بين 4 و6 نونبر المنصرم، حيث جددت الدول الأعضاء التزامها بالنهوض بالإنصاف والعدالة وإتاحة المشاركة الكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي هذا السياق، أحيت جمعيتا “تدبير مركز تأهيل وإدماج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة” و”دار الأمان للإعاقة والتربية ما قبل المدرسية”، بخنيفرة، الانطلاقة الرسمية، يوم الأربعاء 3 دجنبر 2025، لفعاليات مهرجانهما الإقليمي في نسخته الرابعة، بتنظيم ندوة علمية تكوينية تناولت موضوع “مشكلات تشخيص ذوي صعوبات التعلم وظاهرة الفشل الدراسي”، بمشاركة ثلة من المهنيين والفاعلين من عدة مؤسسات وجمعيات، واستقبل المركز الثقافي أبو القاسم الزياني هذه الندوة التي أدارتها مديرة مشروع برنامج تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة بمركز تدبير، سعيدة حجوط، التي وضعت الحضور في دلالة الندوة وأهميتها في تبادل الأفكار وطرح الإشكالات.
الندوة التي شهدت حضورا نوعيا من مهتمين وفاعلين من المجتمع المدني، ومن أسر المستفيدين من الجمعيتين المنظمتين، وكذلك من الأشخاص حاملي إعاقات مختلفة، استهلت بكلمات المديرة الإقليمية للتعاون الوطني، وممثلة عن مندوبية الصحة والحماية الاجتماعية، وممثلة عن القسم العمل الاجتماعي لعمالة الإقليم، إلى جانب خبراء في علم النفس والمعالجة الإكلينيكية وتقويم النطق، وانتهت بمداخلة أخصائية نفسية ومعالجة إكلينيكية تشغل أيضا منصب رئيسة “جمعية دار الأمان للإعاقة والتربية ما قبل المدرسية”، في تأكيد جماعي على مركزية العمل التشاركي لدعم الأطفال والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وتعزيز حضورهم في السياسات المحلية.
افتتحت أشغال اللقاء بكلمة أكدت على الحقوق الأساسية للأشخاص في وضعية إعاقة، معتبرةً أن المناسبة العالمية تشكل محطة للتأمل في آفاق ترسيخ مبدأ الإدماج الشامل داخل الحياة العامة، مع التذكير بما يرافق ذلك من جهود مبذولة وإكراهات قائمة وتطلعات مستقبلية، ولم تغفل الكلمة الافتتاحية الإشارة إلى الارتباط الوثيق لهذه المناسبة بما أقرّته الأمم المتحدة من منظومة حقوقية أكثر شمولاً وإنصافا، تستهدف تمكين هذه الفئة وإسنادها بممارسات دامجة، مذكرةً في الآن ذاته بمختلف المبادرات التي تعتمدها بلادنا لتعزيز هذه الحقوق عبر مقاربات ترتكز على المساواة والإنصاف والإشراك ودعم الأسر.
مدارس عادلة وعمليات للإدماج
وفي هذا السياق، شددت المديرة الإقليمية للتعاون الوطني، سعاد الزاهية، على ضرورة ضمان حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وفي مقدمتها الحق في الصحة والتعليم، مركزة على أوضاع الأطفال الحاملين للإعاقة وما تتطلبه حقوقهم داخل المنظومة التعليمية من مجهودات متواصلة، وأكدت على أهمية معالجة المعلومات المتعلقة بهم وتطوير المقاربات البيداغوجية، إلى جانب تعزيز مسارات التعليم الدامج من خلال التكوين والتأطير الموجه لأطر التدريس المتخصصة في المجال، ودعت إلى توفير أدوات التكييف، وتمكين الأسر من مواكبة المستجدات المرتبطة بأبنائها، معتبرة المناسبة فرصة لتمرير رسائل بيداغوجية واجتماعية داعمة لمدرسة دامجة وعادلة.
من جهتها، انطلقت ممثلة قسم العمل الاجتماعي بعمالة الإقليم، سهيلة الغزال، من تناول مفهوم الإعاقة وأسبابها وتصنيفاتها الجسدية والنفسية والذهنية والعقلية، قبل أن تنتقل إلى إبراز إشكالية التعثر الدراسي لدى الأطفال الحاملين للإعاقة، وما يرافقها من صعوبات في الإدراك والمهارات الحسابية والمعرفية، ولم تفوت المتدخلة الفرصة لاستعراض البرامج التي تعتمدها “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، مؤكدةً وضع الأشخاص في وضعية هشاشة وصعوبة في صلب أولوياتها منذ انطلاقتها الملكية سنة 2005، عبر مبادرات تربوية ونفسية واجتماعية تهدف إلى بناء مجتمع أكثر تضامنا وإنصافا.
وتوقفت الغزال عند المعطيات الإقليمية، مبرزة استهداف المبادرة الوطنية لتسع فئات من خلال مختلف المشاريع، ومن ضمنها الأشخاص في وضعية إعاقة، وذلك عبر تشييد ثلاثة مراكز مخصصة لاستقبالهم باعتبارها فضاءات توفر خدمات متعددة في التوجيه والرعاية والدعم، في أفق تحقيق إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كما أشارت إلى جهود المبادرة الوطنية في تطوير مراكز الاستقبال وصيانة بنياتها وتوفير الموارد البشرية اللازمة وتقوية قدرات الجمعيات الشريكة والمتخصصة، فضلا عن تمكين المراكز من أطر متخصصة ومؤهلة لمواكبة عمليات الإدماج وضمان استمراريتها.
تكامل حقوق الرياضة والصحة
بدوره، ركز ممثل مديرية التعاون الوطني، مصطفى بلحسن، على الدور المحوري الذي تضطلع به الرياضة في تنمية مهارات الأشخاص في وضعية إعاقة، مذكرا بمقتضيات القانون 13-97 الذي ينص على الحق في الحياة الرياضية والثقافية، وبالقانون 30-09 الذي يحمل الدولة مسؤولية توفير فضاءات رياضية ملائمة للفئة المذكورة، وأبرز المتدخل أهمية الأنشطة الرياضية لهذه الفئة في تعزيز الإحساس بالذات، وبناء الشخصية، ودعم التوازن النفسي، وخلق علاقات إيجابية مع المحيط الاجتماعي، فضلا عن إسهامها في كسر العوائق والمشاركة في التظاهرات الوطنية والدولية، مع إبراز المتدخل الإشكاليات المرتبطة بالإدماج الاجتماعي والمهني لهذه الفئة.
وتوقف بلحسن عند أهمية التواصل باعتباره مدخلا أساسيا لفهم احتياجات الفئة المذكورة، مستشهدا ببعض التجارب الأمريكية المتقدمة في هذا المجال، وتحدث عن أساليب التعامل والتواصل مع الأشخاص الحاملين للإعاقة، وأشار إلى مجموعة من الشروط التي ينبغي توفرها في الفضاءات الرياضية الخاصة من أمن وسلامة وتجهيزات مناسبة، داعيا في الآن نفسه إلى توسيع قاعدة التكوين الموجه للأطر العاملة في المجال، وإدماج رياضة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن السياسات العمومية، واختتم المتدخل بالإعلان عن دليل في طور الإنجاز خاص بالأنشطة البدنية الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة.
أما ممثلة مندوبية الصحة والحماية الاجتماعية، مليكة العروسي، فانطلقت في مداخلتها من إبراز الدور المركزي لقطاع الصحة في العناية بالطفل منذ ولادته وإلى غاية شبابه، موضحةً أن الاهتمام الصحي بالأطفال يمر عبر مسارات الوقاية والكشف المبكر والتشخيص والعلاج والتأهيل، إضافة إلى توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي. وتوقفت عند الرعاية الصحية الأساسية، من تحصينات وفحوصات دورية، إلى جانب البرامج المتخصصة كالإرشاد الوراثي، والتدخل المبكر، وخدمات التأهيل الطبي والنفسي، فضلا عن المواكبة المستمرة للأسر، مؤكدة أهمية الكشف المبكر عن الحالات التي قد تؤدي إلى اعتلالات مستقبلا،
وأشارت العروسي إلى ضرورة اكتشاف ومعالجة كل الاضطرابات الصحية في وقت مناسب، بما فيها الاضطرابات النفسية والحسية واللسانية التي يصعب على الأسر أحيانا إدراكها، كما قدمت لمحة عما يوفره القطاع الصحي من دعم يشمل الأخصائيين والتجهيزات والأدوات الطبية، وفي ارتباطها بموضوع التعثر الدراسي، كشفت المتدخلة عن الشروط الجديدة المعتمدة في تسليم “شهادة الإعفاء من التربية البدنية” بغاية ضمان عدم حرمان الأطفال من حقهم في ممارسة الأنشطة الرياضية داخل الفضاء المدرسي، داعية جمعيات المجتمع المدني إلى الانخراط في دعم جهود التحسيس بالبرامج الصحية الموجهة للأطفال والنساء، تعزيزا لنهج الشراكة والتكامل.
الاضطرابات والصعوبات ومكامن التعثر
ومن جهتها، قدمت الأخصائية النفسية، سلمى عمري علوي، مداخلة علمية انصبت على تفكيك الاضطرابات البيولوجية والعصبية المرتبطة بصعوبات التعلم، مبرزة انعكاساتها المباشرة على الطفل وعلى مسار تطوره النفسي والمعرفي، وتوقفت عند مجموعة من الأسباب التي قد تفضي إلى اضطرابات أسرية تفاقم مشاعر الخوف من المدرسة، كما عرضت أبرز الأعراض التي ترافق هذه الاضطرابات، والصعوبات التي قد تعترض سبل العلاج أحيانا، خاصة حين يتعلق الأمر بمشكلات القراءة والحساب وترتيب الأرقام، فيما تناولت إشكالات استقبال اللغة والأشكال الهندسية لدى الطفل، إلى جانب صعوبات الانتباه والتركيز التي تعد من أبرز العوامل المؤثرة في التعثر الدراسي.
وانتقلت علوي إلى شرح القواعد العلمية المعتمدة في التشخيص، بما في ذلك اختبارات الذكاء وما تتطلبه من كفاءات لدى الأخصائيين والأطر التربوية لضمان دقة النتائج وملاءمتها للواقع الدراسي والتنموي للطفل، كما تطرقت إلى مسألة مقارنة الأطفال الحاملين للإعاقة بأقرانهم داخل الوسط المدرسي، كما إلى الأسباب التي تدفع بعض الأطفال إلى التهرب من الدراسة وكيفية احتواء هذه السلوكات، إلى جانب تأثيرات التنمر باعتباره عاملا مركزيا في تعميق التعثر الدراسي وإضعاف الرغبة في التعلم، وختمت الأخصائية مداخلتها بعرض نماذج ملهمة من علماء وفنانين تمكنوا من تجاوز إعاقتهم وتحويلها إلى نقطة قوة.
وبذات اللقاء، قدم الأخصائي في تقويم النطق، يوسف جوهاري، مداخلة علمية استهلها بتحديد مفهوم الاضطراب بمختلف أنواعه ومدده، مبرزا علاقته بقدرات الطفل على التخطيط الذهني ومستوى الذكاء، وانتقل إلى شرح صعوبات القراءة والكتابة لدى الأطفال، متوقفا عند قدرة الطفل على التمييز بين الصورة والصوت، ومدى استيعابه للحروف وتوظيفها أثناء الكتابة اعتمادا على السمع والإدراك اللغوي، قبل انتقال جوهاري إلى الإشارة إلى اضطرابات الأنظمة الحركية الدقيقة وما تثيره من تحديات أمام الطفل، فيما أوضح الفرق بين الاضطرابات والصعوبات، موضحا أن الصعوبة يمكن معالجتها عبر التأهيل المناسب، بينما الاضطراب قد يلازم الطفل مدى الحياة.
ومن جانبه، لم يخرج الأخصائي النفسي، بدر الحواز، عن نسق المداخلات السابقة، ليتناول بدوره إشكالية التعلم من زاوية الفرق بين الصعوبة والفشل الدراسي، موضحا أن الفشل ليس معطى ثابتا، بل حالة قابلة للعلاج إذا ما توفرت المقاربات العلمية السليمة، وأوضح مفهوم الفشل الدراسي وما يستلزمه من تدخلات علاجية، قبل أن ينتقل إلى التمييز بين التشخيص الشائع والمتداول وبين التشخيص الصحيح والدقيق، مستحضرا مخاطر التشخيص المتسرع الذي قد يحكم على الطفل بما ليس فيه، نتيجة نقص الاختبارات العلمية أو الاعتماد على معطيات غير مكتملة، وشدد الحواز على ضرورة الكشف المبكر باعتباره المدخل الأساسي لضمان تشخيص شامل وسليم.
وبعد تقديمه تفسيرات متعددة لأنواع التشخيصات والاختبارات المعتمدة، وإبرازه دور الذاكرة ووظائفها في تقييم القدرات التعليمية لدى الطفل، تناول الحواز الأعراض المرافقة لصعوبات التعلم وانعكاساتها على بنية الطفل النفسية والسلوكية، وما قد تفرزه من اضطرابات تتطلب علاجا مبكرا، كما انتقل المتدخل إلى إشراك الحضور في قراءة تحليلية لبعض المصطلحات العلم-نفسية، باعتبارها عناصر مؤثرة في بناء شخصية الطفل وتكوينه النفسي، ليختتم مداخلته بتوجيه سلسلة من النصائح للمربين وللأسر، مؤكدا أهمية المواكبة العلمية الهادئة للأطفال في وضعية صعوبة أو إعاقة، وتمكينهم من بيئة مساندة تشجع على التعلم وتدعم النمو الإيجابي.
مراحل الطفولة واكتساب المهارات
ولم يفت الأخصائية النفسية ورئيسة “جمعية دار الأمان للإعاقة والتربية ما قبل المدرسية”، ماجدة الهكاوي، أن تقدم مداخلة انطلقت فيها من تقسيم مراحل الطفولة ابتداء من سن ما قبل التمدرس، موضحةً الأعراض التي قد تظهر على الطفل ما بين الخامسة والتاسعة، خاصة ما يتعلق باستيعاب الحروف والأصوات ودمجها لتكوين الكلمات الأساسية، وانتقلت إلى عرض مظاهر صعوبات التعلم لدى الفئة العمرية ما بين العاشرة والثالثة عشرة، سواء على مستوى فهم المقروء أو اكتساب المهارات أو التعامل مع الأرقام، وتوقفت الهكاوي عند التطور الطبيعي للطفل وأهمية مواكبته من طرف الأسرة، مشددة على دور التقييم التعليمي وأثره في الكشف المبكر عن مواطن التعثر.
وأعربت الهكاوي عن أملها في وصول مراكز الطفولة للمؤسسات التعليمية بما يسهم في كسر حواجز التعلم، كما انتقلت إلى موضوع التشخيص النفسي، مشيرة إلى مركز متخصص في علم النفس المدرسي بمدينة مراكش بوصفه تجربة رائدة تستحق التعميم، كما أبرزت دور الأسرة في عملية الكشف عن الأسباب الحقيقية وراء التأخر الدراسي أو صعوبات التعلم، مؤكدة ضرورة إشعار الطفل بأن مشكلته بسيطة وقابلة للعلاج، مع تبسيط البرامج العلاجية الملائمة، وتطرقت بالتالي إلى أنواع الاختبارات المعتمدة لتحديد نوعية الإعاقة، مشيرة للتكوينات التي توفرها بعض الجامعات المغربية في هذا المجال، وما تحتاجه من انفتاح أكبر على خبرات ومكونين عالميين.
حفل لتعزيز البعد النفسي
توجت فعاليات هذه المناسبة بتنظيم حفل فني وتربوي في اليوم الموالي، استهل بكلمة لمديرة مشروع برنامج تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة بمركز تدبير وإدماج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، فيما تواصلت فقرات الحفل بمسرحيتي “ولادة ميسرة” و”لغة القلب” من تقديم مستفيدي جمعية تدبير، فيما قدم أطفال جمعية دار الأمان رقصة “حنا وليدات المغرب”، قبل أن يعرض شريطي فيديو قدما لمحات بصرية عن الأنشطة التي تشتغل عليها كل من جمعية دار الأمان وجمعية تدبير، وتلت ذلك جولة استعراضية بالفضاء الخارجي ل “المركز الثقافي أبو القاسم الزياني”، احتفالا بالإعلان الملكي عن “عيد الوحدة”، ليختتم الحفل بفقرات بهلوانية وترفيهية موجهة للأطفال.