ذاكرة عبدة ..أسفي : عيسى بن عمر العبدي… القائد الذي انقسم حوله المغاربة بين الذاكرة والتاريخ
يظلّ اسم القائد السي عيسى بن عمر العبدي (1842–1924) واحداً من أكثر الأسماء حضوراً وإثارة للنقاش في ذاكرة منطقة عبدة وفي الكتابات التاريخية التي تناولت مرحلة ما قبل الحماية الفرنسية. فقد برز الرجل كأحد أعمدة المخزن في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتولّى قيادة عبدة وهو في سن مبكرة سنة 1879، مستفيداً من مكانة أسرته الاجتماعية وعلاقاتها الواسعة بالمخزن والتجارة الأوروبية. وخلال خمسةٍ وثلاثين عاماً من القيادة، اكتسب ثقة ثلاثة من السلاطين العلويين: الحسن الأول والمولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ، وأسهم في تعبئة الموارد البشرية والمادية التي احتاجتها الدولة في مواجهة الضغوط الداخلية والتدخلات الأجنبية المتصاعدة.
امتد نفوذه من الوليدية شمالاً إلى ما بعد نهر تانسيفت جنوباً، وارتبط اسمه بمجموعة من المحطات السياسية والعسكرية، أبرزها موقفه من أزمة البيعة الحفيظية سنة 1907، حيث حافظ على توازن دقيق قبل أن يبايع المولى عبد الحفيظ الذي عيّنه وزيراً للخارجية ضمن الجهاز المخزني التقليدي. كما عُرف بمناهضته للنفوذ الفرنسي، ومحاولته خلق توازن دولي من خلال الانفتاح على ألمانيا، وهو ما لم يمنع عزله ونفيه إلى سلا بعد فرض الحماية سنة 1912، حيث عاش تحت الإقامة الجبرية إلى أن توفي سنة 1924، وشيّعته قبائل عبدة في جنازة لافتة.
غير أنّ صورة القائد في الذاكرة الشعبية ليست واحدة. فجزء من الروايات ينظر إليه كرمز للصرامة والبطش، خاصة بعد حادثة قمع انتفاضة أولاد زيد المعروفة بـ»عام الرفسة»، وهو ما دفع بعض المؤرخين إلى تشبيهه بشخصيات سلطوية تاريخية. وساهمت الأغنية الشعبية «خربوشة» والأعمال الفنية التي استلهمت قصتها في تعزيز هذا التصور، مقدّمةً عيسى بن عمر كقائد استبدادي مارس قوة مفرطة ضد القبائل الخارجة عن سلطته.
في المقابل، يقدّم باحثون وأبناء المنطقة قراءة مغايرة، معتبرين أنّ الرجل كان يؤدّي دوراً فرضته ظروف سياسية صعبة تميزت بتراجع قبضة الدولة واتساع ظاهرة “السيبة” وتزايد التدخل الأجنبي. وتشير شهادات معاصرين أجانب إلى أنه كان صارماً ومنضبطاً وذكياً، متديناً ومتقشفاً، ومحاطاً بالعلماء، ومن بينهم الفقيه بوشعيب الدكالي. وتبرز بعض الدراسات الحديثة دوره في حماية الاستقرار وضبط الحدود القبلية في مرحلة اتسمت باضطرابات متواصلة، كما سعت ندوات أكاديمية نُظمت بمدينة أسفي، آخرها ندوة بعنوان «القائد السي عيسى بن عمر العبدي… الحقيقة والتاريخ»، إلى إعادة قراءة سيرته وتنقيتها من الروايات المتداولة التي يرى البعض أنها حمّلت الرجل أكثر مما تحتمله الوقائع.
وتتجه قراءات تاريخية معاصرة إلى اعتبار سلوك القائد جزءاً من سياسة مخزنية شاملة اتبعتها الدولة لمواجهة التمردات القبلية في الأطراف، وليس تعبيراً عن انحراف فردي. وبين رواية شعبية تنتقده، وقراءة تاريخية تنصفه جزئياً، يبقى عيسى بن عمر شخصية مركّبة تحتاج إلى مزيد من البحث الأكاديمي الهادئ لفهم سياقها ودورها بعيداً عن التمجيد أو الشيطنة، خاصة أن سيرته تجمع بين الولاء للمخزن، والصرامة في ممارسة السلطة، والقدرة على التأثير في فترة من أدق الفترات في تاريخ المغرب.