عاشت مدينة الحاجب يوم الأحد الماضي على وقع مشهدين متناقضين؛ الأول يبعث على الإعجاب ويتمثل في البياض الثلجي الذي زيّن الجبال والهضاب للمدن الأطلسية المجاورة ، وج
ذب آلاف الزوار من جميع مناطق المملكة ، والثاني يثير القلق والغضب، ويتعلق باختناق مروري خانق غير مسبوق، شلّ حركة السير بشكل تام بين الحاجب الأعلى والحاجب المركز، وامتد على طول الطريق الوطنية رقم 13 الرابطة بين أزرو والحاجب، وكذا الطريق الجهوية رقم 707 بين الحاجب وإفران، مما كشف هشاشة التدبير الترابي، وفضح عجز المدينة عن مواكبة التحولات التي تعرفها شبكات الطرق بالمنطقة.
شللٌ مروري غير مسبوق… عندما تتحول الجاذبية إلى نقمة
لم يكن ما وقع مجرد ازدحام عابر، بل أزمة سير حقيقية تسببت في توقف شبه كامل لحركة المرور لساعات طويلة، حيث وجد المواطنون أنفسهم محاصرين داخل مركباتهم، دون قدرة على التقدم أو الرجوع. ويعود السبب الرئيسي إلى انقطاع مقطع طرقي حيوي عبر الطريق الوطنية رقم 13، تزامن مع يوم الأحد الذي يُعدّ ذروة حركة التنقل الأسبوعي، إضافة إلى توافد مكثف للزوار القادمين من مختلف المدن للاستمتاع بالثلوج التي تكسو مدينتي أزرو و إفران و ضواحيها ، وهو ما حول المدينة إلى عنق زجاجة مروري، عجزت عن استيعابه بنيتها الطرقية المحدودة رغم المجهودات المكثفة طيلة اليوم لمختلف أجهزة الأمن الوطني و القوات المساعدة و موظفي المديرية الإقليمية التجهيز بالحاجب .
هذا الوضع أعاد بقوة إلى الواجهة مطلبا قديما متجددا، يتمثل في ضرورة إنشاء طريق مدارية خارج المجال الحضري، لتحويل حركة الشاحنات والحافلات والسيارات العابرة بعيدا عن مركز المدينة، وهو المطلب الذي لطالما رفعته فعاليات مدنية ومهنية، محذرة من العواقب السلبية للاعتماد على شبكة طرق تمر عبر وسط المدينة، خصوصا أن التصميم الحالي جعل المقطع الطرقي الأكثر حساسية محاطا بالإدارات العمومية، وسكنيات الفيلات، بدل منشآت اقتصادية قادرة على تحويل حركة المرور إلى دينامية تنموية.
غياب خدمات القرب… مسافرون بلا مطاعم ولا مرافق
لم يتوقف المشكل عند حدود شلل السير، بل امتد إلى انعكاسات اجتماعية وإنسانية ، إذ استغرب العالقون بالحاجب الأعلى من غياب شبه تام لأماكن الإطعام والاستراحة، حيث اضطر الكثير منهم للمكوث داخل سياراتهم لساعات، في ظل ضعف تجهيزات القرب، وغياب المرافق الأساسية التي يفترض توفرها في مدينة تُعدّ بوابة بين الأطلس المتوسط ومدينتي إفران وأزرو.
المشهد كان صادما لزوار لم يجدوا مطاعم مفتوحة أو فضاءات للراحة، ولا مراحيض عمومية كافية، في منطقة تعرف توافدا سياحيا موسميّا مكثفا، مما طرح سؤالا محرجا: كيف لمدينة تراهن على السياحة الجبلية أن تترك زوارها في العراء، دون خدمات تحمي كرامتهم وتخفف عنهم مشقة الانتظار؟
البنية التحتية والتخطيط… حين يخنق الطريقُ المدينةَ بدل أن ينعشها
الأزمة كشفت أن المشكل ليس ظرفيا فقط، بل بنيوي مرتبط باختيارات التخطيط العمراني والتدبير العقاري لمجال الطريق الوطنية داخل المدينة، حيث تم تخصيص جنبات الطريق لمقرات إدارية وفيلات سكنية، مما حدّ من إمكانية استغلالها في إنشاء مشاريع اقتصادية وتجارية قادرة على خلق فرص عمل، وتقديم خدمات للزوار، واستثمار تدفق حركة المرور لصالح المدينة.
كما أن هذه الوضعية تُضعف فرضية الاستفادة الاقتصادية للمدينة من إنشاء طريق مدارية خارج الحاجب، لأن منطق التهيئة الحالي لم يسمح بتحويل المجال الطرقي إلى رافعة تجارية، وهو ما يجعل المطالب اليوم أكثر إلحاحا لإعادة النظر في توزيع استعمالات المجال، خصوصا ونحن على مشارف نهاية أشغال تثنية الطريق بين إفران والحاجب، وهي فرصة تاريخية لا يجب أن تضيع.
مشاريع الطرق الكبرى… بين فرصة التنمية وخطر إعادة إنتاج الأزمة
مع تقدم أشغال تثنية الطريق بين إفران والحاجب، يطرح المتتبعون سؤالا جوهريا: هل سيتم تجاوز الأعطاب السابقة من خلال إعادة تخصيص جنبات الطريق بالحاجب الأعلى لإنشاء منشآت اقتصادية وسياحية وخدماتية؟ أم ستستمر الإدارات والفيلات في الاستحواذ على المجال، سواء في اتجاه أزرو أو إفران، مما يعني إعادة إنتاج نفس المشكل ولكن بحجم أكبر؟
إن استمرار الوضع على ما هو عليه سيجعل تثنية الطريق مجرد توسعة للأزمة بدل حل لها، لأن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في عرض الطريق، بل في وظيفته، ومحيطه، وقدرته على خلق حركة اقتصادية موازية، وهو ما يغيب حاليا.
المدينة بحاجة إلى قرار شجاع… لا إلى ترقيعات موسمية
اليوم، أصبح من الواضح أن مدينة الحاجب لا تحتاج فقط إلى طريق جديدة، بل إلى رؤية جديدة تُخرج الطريق من منطق الإدارة إلى منطق الاستثمار، وتحوّل الاختناق إلى تدفق اقتصادي، والبياض الثلجي إل
ى موسم تجاري مزدهر، بدل أن يظل سببا لمعاناة المواطنين وإحراج الزوار.
خاتمة
الحاجب مدينة تمتلك موقعا استراتيجيا وجاذبية طبيعية نادرة، لكنها تفتقر إلى تدبير استراتيجي يستثمر هذه المؤهلات. وبين الثلج الذي يجذب الناس، والطريق التي تعجز عن خدمتهم، يبقى السؤال معلقا:
هل ستتمكن المدينة من تحويل مجالها الطرقي إلى قاطرة تنمية، أم ستظل رهينة اختيارات تضع الإسمنت قبل مصلحة الساكنة؟ الجواب ستبديه الأيام المقبلة