إقليم خنيفرة: عن “مفتاح السيارة” الذي أشعل التوتر داخل مجلس كروشن وأدى إلى فقدان “مفتاح الشأن العام”

0
  • أحمد بيضي
من الواضح اليوم أن سيارات الجماعات الترابية لم تعد مجرد وسائل نقل بمرفق عمومي منتخب تدبر بمنطق العادة أو المزاج، بل أضحت تخضع لمنظومة قانونية وتنظيمية تقوم على مبدأ المنفعة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومناسبة الكلام يتجلى في ما يتم تداوله محليا بمنطقة كروشن بإقليم خنيفرة، حيث السيارة النفعية حديثة الاقتناء وضعت منذ البداية في منطقة ملتبسة، ومع مرور الوقت، لم يعد النقاش بشأنها تقنيا أو تنظيميا، بل تحول إلى مصدر توتر وانقسام داخل المجلس.
وفي هذا الصدد، بعدما اختلط حق استعمال السيارة المعلومة بسلطة القرار وتداخلت الصفة التمثيلية مع النفوذ السياسي، أصبح السؤال: “من يستعمل السيارة؟” يطغى على السؤال الأهم: “فيما تستعمل؟” من يحدد مهامها؟ من يراقب استعمالها؟ أين تبيت؟ متى تتحرك؟ وتحت أي مسؤولية؟ وعندما تصبح حركة سيارة المصلحة موضوع جدل، فإن القضية تتجاوز الوسيلة لتلامس منطق الحكامة نفسه، هذا التحول نقل النقاش داخل مؤسسة منتخبة من دائرة تدبير شؤون الساكنة إلى دائرة رمزية تتعلق بالتحكم في القرار.
ليس غريبا أن تجد الساكنة نفسها أمام مشهد تتراجع فيه القضايا الأساسية أمام خلاف محدود في شكله، عميق في دلالاته: صراع حول المفاتيح بدل صراع حول المصلحة العامة، علما أنه في الإطار القانوني، لا يترك تدبير ممتلكات المرفق العمومي للأعراف أو التقديرات، فالقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، وخاصة ما يرتبط باختصاصات الرئيس، يفترض تتبعا دائما وضبطا واضحا، باعتبار أن الممتلكات الجماعية ليست امتيازا مرتبطا بالأشخاص، بل ملكا للساكنة، وسلطة المجلس بشأنها تظل سلطة تدبير مقيدة بالمصلحة العامة.
وارتباطا بالسياق، أدى الغياب المتكرر لرئيس المجلس، بحكم اشتغاله موظفا بمدينة بعيدة عن الإقليم، إلى خلق فراغ عملي في التسيير اليومي، جرى سده بشكل غير معلن عبر تمكين نائبه من استعمال سيارة الخدمة لضمان الاستمرارية، غير أن هذا الحل العملي انزلق تدريجيا نحو استعمالات خرجت عن الطابع الإداري الصرف، حيث أصبحت السيارة حاضرة في مناسبات اجتماعية مثل الأعراس والأسواق الأسبوعية ومواكب العزاء، إضافة إلى تنقلات مرتبطة بالتداوي التقليدي لبعض الأعضاء بمدينة الريش.
بداية التوتر الفعلي ظهرت عندما تم طلب السيارة من طرف رئيس لجنة المالية للتنقل إلى تنغير، وهو الطلب الذي كسر منطق العرف وفتح الباب أمام أسئلة مباشرة حول أحقية الاستعمال وسلطة القرار والأساس المعتمد، لينتقل الملف إلى مرحلة الخلاف المفتوح، وضمن هذا المسار، حملت المذكرة الداخلية الصادرة عن رئيس المجلس في الثاني من أبريل 2025 بشأن تدبير حظيرة السيارات دلالة خاصة، ولم تضف مقتضيات قانونية جديدة يتطلبها الوضع القائم الذي أنجب الكثير من التعاليق.
هذه المذكرة التي بقدر ما قفزت على المقتضيات القانونية الجديدة بقدر ما أعادت التأكيد على قواعد روتينية، من قبيل منع استعمال سيارات المصلحة خارج أوقات العمل، وعدم نقل أشخاص لا تربطهم مهام بالجماعة، واحترام أوامر المهمة، وإلزامية مسك دفاتر التتبع، غير أن توقيت صدورها، بعد تفاقم الخلاف، جعلها تقرأ كخطوة متأخرة لضبط ملف كان يفترض أن يكون مؤطرا منذ البداية، ذلك، سرعان ما تداخل البعد الإداري مع مسار سياسي وتنظيمي أكثر تعقيدا، خاصة في ظل تصدع تحالف الأغلبية المكونة أساسا من حزبي الحمامة والسنبلة.
وبينما ظل ملف السيارة عاملا مؤثرا في إعادة ترتيب التوازنات، تقدم تسعة أعضاء بطلب عقد دورة استثنائية انعقدت في الرابع من أبريل 2025، خصصت لإقالة رئيس لجنة الميزانية والشؤون المالية والبرمجة وانتخاب مكتب جديد، وخلال هذه الدورة التي ترأسها النائب الأول في غياب الرئيس، قُدمت دفوعات قانونية، غير أن متابعين سجلوا غياب تعليل دقيق للإقالة، خاصة وأن الأسباب المتداولة ارتبطت بالخلاف حول استعمال سيارة المصلحة أكثر من ارتباطها بتقييم موضوعي للأداء، ورغم ذلك، تمت المصادقة على الإقالة في سياق عكس احتقانا واضحا.
المسار القضائي أضفى على القضية بعدا مؤسساتيا لافتا، فقد سجلت الدعوى أمام المحكمة الإدارية الابتدائية بفاس في العاشر من يونيو 2025، قبل أن تصدر حكما، بعد شهر من هذا التاريخ، يقضي بإلغاء مقرر الإقالة مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية، وبعد تسجيل الاستئناف في العشرين من أكتوبر 2025، قضت محكمة الاستئناف الإدارية بتاريخ 23 دجنبر 2025 بتسجيل التنازل عنه، وهو ما كرس مبدأ مفاده أن الشرعية ترتبط باحترام المسطرة وتعليل القرار وربطه بسبب مشروع قابل للرقابة القضائية.
وفي خضم هذا التطور، زادت مراسلة رئيس المجلس إلى نائبه الأول في الخامس من دجنبر 2025 من تعقيد المشهد، بعدما تضمنت عرضا لاختلالات منسوبة إلى تدبير السيارة، ما أعاد طرح سؤال التوقيت: هل يتعلق الأمر بتفعيل متأخر للاختصاصات أم بتصعيد إداري داخل صراع سياسي داخلي؟، ومع مرور الوقت، لم تعد أزمة السيارة تقرأ كملف تقني معزول، بل كعنوان لصراعات واضحة، بعيدا عن عرض الحصيلة وقريبا من خطاب سياسي يقوم على شيطنة الخصوم داخل المؤسسة نفسها، في سياق تحسب للاستحقاقات المقبلة.
ووفق ما يتداول محليا وتدعمه الوقائع، نجح نائب الرئيس في تجميع أغلبية الأعضاء إلى جانبه، وهي نفس الأغلبية التي دعمت إقالة رئيس لجنة المالية، في مقابل وضعية أقلية وجد فيها الرئيس نفسه داخل مجلس يفترض أن يشتغل بمنطق الانسجام المؤسساتي. وفي هذا المناخ، برزت قراءات داخل الأغلبية تتحدث عن إحساس بوجود انحياز من طرف الرئيس لفائدة رئيس لجنة المالية المقال، خاصة بعد تسليمه شهادة خلال مرحلة الاستئناف تفيد عدم مباشرة أي طعن.
ولعل الأزمة بلغت ذروتها مع امتناع أغلبية الأعضاء عن حضور دورة عادية لشهر فبراير 2026 كانت مخصصة لنقط مالية واتفاقيات ذات أثر مباشر على الساكنة، لينتقل الخلاف من دائرة التجاذب السياسي إلى مستوى تعطيل المرفق العمومي، ليتأكد بجلاء أن ما وقع ويقع في كروشن يتجاوز قصة سيارة نفعية، إذ يكشف كيف يمكن لوسيلة عمومية بسيطة أن تتحول، في غياب الحكامة، إلى مؤشر على اختلالات أعمق في تدبير السلطة وإدارة الخلاف، فالسيارة لم تصنع الأزمة، لكنها كشفتها، والقانون لم يكن غائبا كنص، بل كمرجعية مؤطرة للقرار.
ويبقى السؤال المطروح اليوم على ألسنة عدد من المواطنين: بعد كل هذا الجدل والمراسلات والأحكام، أين توجد سيارة الجماعة الآن؟ وإذا كانت قد استرجعت فعلا، فلماذا لا تظهر في مرأبها داخل الجماعة؟ ولماذا يقال إنها موضوعة خارج النفوذ الترابي؟ ومن اتخذ هذا القرار؟ وبأي صفة؟ ولأي غاية؟، فيما كان ينتظر تتبع مدى تنزيل برنامج عمل الجماعة ومساءلة المنتخبين حول وعودهم وما تحقق منها، غير أن المشهد اتجه نحو انشغال بالخلافات الداخلية أكثر من أولويات التنمية، وتحولت النقاشات من تقييم الإنجاز إلى تبادل الاتهامات.