ملف الإطعام يشعل احتجاجات بالداخليات التعليمية بالمغرب وسط مطالب بالكرامة والمحاسبة

0
  • أحمد بيضي

شهدت عددا من المؤسسات التعليمية بالمغرب، منذ اليوم الأول من شهر رمضان، موجة متصاعدة من الجدل والاحتجاجات المرتبطة بخدمات الإطعام داخل الداخليات ودور الطالبة والأحياء الجامعية، وذلك بعد تداول واسع لصور وجبات الإفطار التي وصفت من طرف التلاميذ والطلبة ب “التجويع الممنهج” ولا تستجيب للحاجيات الغذائية الأساسية، وعلى خلفية ما انتشر على منصات التواصل الاجتماعي من صور ونداءات، ما يجدد الحديث عن اختلالات تدبير خدمات الإطعام كما وكيفا، ويبرر موجة الغضب داخل الوسط التربوي والتلاميذي.
  • جغرافية الاحتقان

وفي هذا السياق، برزت احتجاجات طلبة الحي الجامعي مغيلة بمدينة بني ملال، الذين عبروا عن استيائهم من أوضاع المطعم الجامعي، متحدثين عن سوء التغذية وتراجع جودة الوجبات المقدمة، فيما امتد الغضب إلى تلاميذ دار الطالبة بإغيل نومكون نواحي تنغير، حيث عبر عدد منهم عن استيائهم من ضعف الوجبات وعدم ملاءمتها لشهر رمضان، قبل أن تتكرر المشاهد ذاتها داخل داخليات في إقليم تاونات، وأخرى بمنطقة قلعة مكونة، إضافة إلى مؤسسات بإقليم الصويرة.
وفي داخلية إعدادية الأرز بمدينة تونفيت، تحدث تلاميذ عن معاناة مرتبطة بالجوع وضعف جودة الإطعام، مشيرين إلى أن احتجاجهم قوبل – حسب روايات متداولة – بأساليب اعتبروها قائمة على السب والتهديد بالطرد بدل فتح قنوات الحوار لمعالجة الوضع، كما عرفت داخلية ثانوية عبد المومن خروج تلاميذ في مسيرة ليلية غاضبة، اتجهت نحو مقر القيادة المحلية، تنديدا بما وصفوه بـ “الوضع المزري” لخدمات الإطعام، خاصة في سياق شهر رمضان الذي ترتفع فيه الحاجة إلى تغذية متوازنة.
ولم تغب مؤسسة ثانوية ابن خلدون التأهيلية بقرية بامحمد عن هذا الجدل، بعدما تم تداول صور لوجبات داخلية أثارت انتقادات واسعة، قبل أن تبادر إدارة المؤسسة إلى “توضيح” أن الصورة المتداولة “التقطت للطبق قبل استكمال مكونات الوجبة”، في محاولة لتصحيح ما اعتبرته “سوء فهم” للمعطيات، وتأتي هذه التطورات في سياق موجة احتجاجات أوسع تشهدها بعض المؤسسات التعليمية بعدد من المناطق، من بينها ثانوية 18 يونيو التأهيلية بجماعة إملشيل، حيث طالب التلاميذ بتحسين جودة الإطعام ومراقبة الصفقات المرتبطة بالتغذية.
  • تجويع مؤسساتي

في سياق موجة الغضب التي تعرفها خدمات الإطعام بعدد من الداخليات بالمغرب، شهدت ثانوية 18 يونيو التأهيلية بجماعة إملشيل احتجاجات عارمة فجرها تلاميذ القسم الداخلي، تعبيرا عن استيائهم من تدني جودة الوجبات الغذائية المقدمة لهم خلال شهر رمضان، واندلعت شرارة الاحتجاج مباشرة عقب تقديم وجبة إفطار وصفت من طرف التلاميذ بـ “المهزلة”، ما دفع العشرات من القاطنين بالداخلية إلى تنظيم وقفة احتجاجية عفوية داخل أسوار المؤسسة، عبروا خلالها عن غضبهم من عدم استجابة الإطعام للحد الأدنى من شروط التغذية السليمة.
ولم يقتصر الحراك على نزلاء الداخلية، إذ سرعان ما اتخذ طابعا تصعيديا بعد انضمام تلاميذ المؤسسة الخارجيين في خطوة تضامنية تعكس حجم الاحتقان داخل المؤسسة، حيث رفعت شعارات تطالب بفتح تحقيق عاجل في صفقات التغذية المدرسية، وبضرورة توفير وجبات تحترم كرامة التلاميذ وتراعي حاجتهم للطاقة، لاسيما في ظل الظروف المناخية القاسية التي تميز المنطقة الجبلية، وتحول هذا الحراك إلى مسيرة احتجاجية شارك فيها تلاميذ المؤسستين تضامنا مع زملائهم في الأقسام الداخلية.
وتمكن الاحتقان من حمل السلطات المحلية إلى فتح قنوات حوار عاجلة بمقر القيادة، في حضور قائد تونفيت ورئيس الجماعة الترابية ومدير المؤسسة المعنية، في محاولة لاحتواء الوضع والاستماع إلى مطالب التلاميذ، وأسفر اللقاء عن تقديم وعود رسمية بالتدخل الفوري لتحسين شروط الإيواء وتجويد خدمات الإطعام، مع التأكيد على تتبع الوضع داخل الداخلية، وفي ظل استمرار هذا التوتر، طالب التلاميذ المحتجون، إلى جانب فعاليات مدنية محلية، بضرورة فتح تحقيق إداري في تدبير خدمات التغذية.
ولم يفت تلميذات وتلاميذ ثانوية 18 يونيو التأهيلية بجماعة إملشيل تعميم ملفهم المطلبي، الذي شمل عددا من القضايا المرتبطة بظروف التمدرس والإيواء داخل المؤسسة، فقد طالب المحتجون بتوفير تغذية صحية متوازنة تقوم على التنوع وتحسين الجودة في مختلف الوجبات، إلى جانب ضمان الرعاية الصحية الضرورية للتلميذات والتلاميذ المقيمين بالداخلية، مع معالجة الخصاص المسجل في الموارد البشرية، خاصة أساتذة مادة الفيزياء على مستوى الجذع المشترك، وأساتذة مادة الفلسفة بالسنة الثانية بكالوريا.
وشملت المطالب أيضا جوانب مرتبطة بالحياة اليومية داخل الداخلية، من بينها إعادة مقابس شحن الهواتف إلى أماكنها المخصصة لتفادي ضياع هواتف التلميذات، ولوح التلاميذ بخطوات تصعيدية قد تصل إلى إخلاء المؤسسة مؤقتا إلى حين الاستجابة لمطالبهم، وكم ازداد الاحتقان بعد تداول معطيات تفيد بتعرض إحدى التلميذات المريضات لسوء معاملة من طرف بعض الممرضات بالمستشفى المحلي، ما أثار موجة تعاطف واسعة في صفوف زميلاتها وزملائها، ووسع دائرة النقاش حول جودة الخدمات الصحية المقدمة للتلاميذ بالمنطقة.
ويذكر أن ثانوية 18 يونيو بجماعة إملشيل سبق أن عرفت موجات غضب مماثلة، ما يعكس طابعا بنيويا للإشكالات المطروحة داخل المؤسسة، ويزيد من تعقيد الوضع ما تعرفه المنطقة من برد قارس، حيث فات طرح معاناة تلاميذ القسم الداخلي من غياب وسائل التدفئة، في حين تفتقر الأقسام الخارجية بدورها لأي تجهيزات تخفف من قساوة الظروف المناخية التي تميز المنطقة الجبلية، وهو ما يجعل تحسين شروط الإيواء والتعلم مطلبا ملحا يتجاوز الظرفية الراهنة.
  • قلق مشروع

ويرى فاعلون حقوقيون أن ما يجري يتجاوز مسألة نقص أو ضعف جودة الطعام، ليصل إلى ما وصفوه بانتهاكات حقوقية مركبة تمس جوهر الكرامة الإنسانية، فبحسب تعبيرهم، فإن تقديم وجبات تفتقر لأدنى المعايير الصحية والغذائية لا ينعكس فقط على صحة التلميذ، بل يسيء إلى كرامته ويزرع لديه شعورا بالدونية والإقصاء، خاصة حين يتعلق الأمر بتلاميذ ينحدرون في غالبيتهم من أسر معوزة يجدون في الداخلية سندا اجتماعيا قبل أن تكون فضاء للإقامة.
وتأتي هذه الاحتجاجات لتسلط الضوء من جديد على معضلة تدبير المطاعم المدرسية في المناطق القروية والجبلية، حيث تتقاطع هشاشة البنيات مع ضعف آليات التتبع والمراقبة، وتتعالى الدعوات إلى تشديد الرقابة على جودة التموين، وضمان صرف الميزانيات المرصودة للإطعام المدرسي وفق ما خصصت له، بما يخدم مصلحة التلميذ أولا وأخيرا، بعيدا عن أي منطق تقشفي يحمل الناشئة كلفة اختلالات التدبير، وأن ما يحدث يثير قلقا مشروعا، ويتطلب تدخلا عاجلا ومسؤولا من الجهات الوصية، لإعادة الثقة في خدمات الإيواء والإطعام المدرسي.