تتواصل موجة الغلاء التي تعرفها مختلف المواد الاستهلاكية بخنيفرة، كما بكامل البلاد، وسط تزايد شكاوى المواطنات والمواطنين من تراجع القدرة الشرائية، رغم تحسن التساقطات المطرية مقارنة بسنوات الجفاف الماضية، ويبدو أن ارتفاع الأسعار لم يعد ظرفيا أو مرتبطا بعوامل موسمية فقط، بل تحول إلى وضعية شبه دائمة تطبع الحياة اليومية للأسر، خاصة في المناطق التي تعاني هشاشة اقتصادية واجتماعية، مثل إقليم خنيفرة، ومنه طبعا المناطق القروية والجبلية المعروفة بأوضاعها القابعة رهن البؤس والتهميش والإقصاء الاجتماعي.
ميدانيا، تكشف جولة في أسواق الخضر والأسماك أن الأسعار مرتفعة بشكل مثير للغاية، إذ يؤكد عدد من المواطنين أن تكلفة المعيشة تضاعفت خلال السنوات الأخيرة، بينما لم يواكب الدخل هذا الارتفاع، وتبرز هذه المفارقة بشكل أوضح لدى الأسر ذات الدخل المحدود والعمال غير المهيكلين، الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات استهلاكية قسرية تقوم على تقليص المشتريات أو التخلي عن بعض المواد الأساسية، وقد يصعب التعليق أمام الطبقة الميسورة التي لم تخف هي الأخرى تذمرها من موجة الغلاء.
وفي استحضار للذاكرة الاجتماعية، يعيد متتبعون النقاش إلى ما عرف بـ “السنوات الساخنة”، خاصة أحداث دجنبر 1990 التي ارتبطت بزيادات في أسعار مواد أساسية مثل الخبز وأدت إلى توترات واحتجاجات اجتماعية مباشرة، غير أن المشهد الحالي يختلف في الشكل، إذ يظهر الغلاء اليوم أكثر اتساعا واستمرارية، لكنه أقل ترجمة إلى احتجاج ميداني واسع، ويرجع ذلك، وفق قراءات تحليلية، إلى تغير أنماط التعبير الاجتماعي، واعتياد الأسر على تدبير الندرة، فضلا عن انتقال جزء من النقاش والاحتجاج إلى الفضاء الرقمي.
في المقابل، يقدم مهنيون وتجار تفسيرات متعددة لظاهرة الغلاء، حيث يعزو بعضهم ارتفاع الأسعار إلى كلفة النقل والضرائب وتقلبات أسعار المحروقات، إضافة إلى تأثيرات الحرب والأزمة الطاقية العالمية، كما يشير آخرون إلى اختلالات مرتبطة بالإنتاج الفلاحي وتربية المواشي وتدبير الثروة السمكية، وهي قطاعات تؤثر بشكل مباشر في وفرة العرض داخل الأسواق المحلية، بينما بعض فقهاء المنبر يكتفون بدعوة الناس فقط إلى عدم الإسراف والتبذير، والتقليل من “الشهيوات” وتكثيف الدعوات لأجل البركة في الرزق.
على المستوى الاجتماعي، تبدو آثار الغلاء أكثر وضوحا بإقليم خنيفرة، الذي يعاني أصلا من تحديات مرتبطة بالبطالة وهشاشة سوق الشغل وضعف العدالة المجالية والخدمات العمومية، كما يشكو عدد من المواطنين من توقف أو تقليص الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي لأسباب غير واضحة بالنسبة لهم، وهو ما يفاقم الشعور بعدم الاستقرار لدى فئات واسعة، ورغم تكرار الدعوات إلى تفعيل مراقبة شاملة وصارمة للأسعار، فإن واقع أسواق الخضر والفواكه واللحوم والقطاني والدواجن والسمك لا يختلف كثيراً عن السنوات الماضية.
حتى وإن لم تظهر مؤشرات قوية على احتقان اجتماعي مباشر في الوقت الراهن، باستثناء النقاش الواسع الذي تعرفه منصات التواصل الاجتماعي حول ارتفاع أسعار مواد مثل البصل والطماطم والأسماك، يظل غلاء المعيشة ملفا مركبا تتداخل فيه عوامل هيكلية وسياسات عمومية واختلالات السوق، ما يجعل معالجته رهينة بمقاربات شمولية تتجاوز التبريرات الظرفية، وتوازن بين دعم الإنتاج وضمان استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، حتى لا يتحول الغلاء المستمر إلى القطرة المفيضة للكأس.
حتى بالأسواق الشعبية، مثل الحي الحسني ولاسيري وأحطاب، التي يفترض أن تكون أسعارها أقل، أجمع المستهلكون على تسجيل أسعار ملتهبة في الخضر، كما يلاحظ وجود إشكالية تناسل الوسطاء والمضاربين، حيث ارتفعت أثمنة الخضر الأساسية التي قد لا تقل على سبيل المثال عن البصل والفلفل والطماطم والبطاطا والجزر والبازلاء (الجلبانة)، بل لم يكن مفاجئا ولا غريبا أن يمتد حريق الأثمان إلى البقدونس (المعدنوس) أو الكزبرة (القزبر) والخس بشكل يفوق السؤال والجواب.
في سياق تصاعد النقاش العمومي حول غلاء المعيشة، شهدت مختلف عمالات وولايات المملكة اجتماعات لليقظة وتتبع تموين الأسواق، من بينها الاجتماع الموسع الذي احتضنته عمالة إقليم خنيفرة، صباح الأربعاء 11 فبراير 2026، والذي خصص لتدارس التدابير الكفيلة بضمان تموين عادي ومنتظم وكاف للأسواق، مع التشديد على محاربة المضاربات والاحتكار حماية للقدرة الشرائية، غير أن المعطيات الميدانية توحي، بحسب مهنيين ومواطنين، بأن هذه الاجتماعات لم تنعكس بشكل ملموس على الأسعار.
الاجتماعات اقتصرت نتائجها، في كثير من الحالات، على زيارات تفقدية للمحلات والأسواق، مرفوقة أحيانا بممثلي السلطات الإدارية والأمنية وبحضور كاميرات الاعلام العمومي، بينما ظل مستوى الأسعار على حاله، واستمر الغلاء كعنوان بارز للوضع العام على الصعيد الوطني، ويرى فاعلون محليون أن غياب إجراءات عملية واضحة ومستمرة ساهم في ترسيخ الانطباع بأن تدخلات المراقبة تظل ظرفية أو موسمية، مرتبطة بالمناسبات أو الفترات الحساسة، بدل أن تكون منظومة دائمة تبدأ من الإنتاج والمصدر، مرورا بأسواق الجملة، وصولا إلى البيع بالتقسيط.
اجتماعيا، انعكس هذا الوضع على نمط الاستهلاك بخنيفرة، إذ باتت العديد من الأسر عاجزة عن اقتناء اللحوم الحمراء أو حتى الدجاج بشكل منتظم، بينما تحولت الفواكه والمنتجات المرتبطة بالاستهلاك الترفي إلى مواد موسمية أو مؤقتة بالنسبة لفئات واسعة، وتبرز بالتالي القفزات التي طالت أسعار السمك، خاصة خلال شهر رمضان، وقد تمت معاينة مرور عدد كبير من المواطنين بأسواق السمك دون اقتناء، حتى بالنسبة لأسماك كانت في متناول الفئات البسيطة، وعلى رأسها السردين الذي عرف ارتفاعا لافتا غير مسبوق.
وبحسب متتبعين، لا يقتصر الأمر على ارتفاع الأسعار فقط، بل يرتبط أساسا بضعف القدرة الشرائية، فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا لم تتحسن القدرة الشرائية للمغاربة خلال السنوات الماضية رغم تعدد البرامج والإجراءات المعلنة؟ وكم تتبخر أجرة العامل في فترة وجيزة أمام مصاريف المعيشة، بينما تبدو معاناة العاطلين والفئات ذات الدخل المحدود أكثر حدة، حيث تنعكس الضغوط الاقتصادية في مؤشرات اجتماعية مقلقة، من بينها اتساع مظاهر الهشاشة والفقر والعنف، وتنامي مشكلات اجتماعية مرتبطة بتدهور ظروف العيش.