دقائق قليلة، من عشية الخميس 26 مارس 2026، كانت كافية لتحويل مدينة خنيفرة إلى حالة استثنائية، بعدما ضربت عاصفة رعدية قوية مرفوقة بأمطار غزيرة مختلف أحياء المدينة، مخلفة فيضانات واسعة أعادت إلى الواجهة إشكالية هشاشة البنية التحتية، ومدى قدرتها على الصمود أمام التقلبات المناخية المتكررة، وسط تساؤلات متزايدة حول فعالية التدابير الاستباقية المتخذة لحماية الأرواح والممتلكات.
الأمطار التي تهاطلت بكثافة خلال فترة وجيزة فاقت بشكل واضح القدرة الاستيعابية لشبكات الصرف الصحي والشعاب، ما أدى إلى تدفق سيول جارفة اجتاحت الأزقة والشوارع الرئيسية، وتسربت إلى بعض المنازل والمحلات، في مشهد وصفه مواطنون بأنه يتكرر مع كل موسم مطري، على أمل إيجاد حلول جذرية تنهي معاناة الساكنة مع ما بات يعرف بـ “النقط السوداء”.
وتحولت أحياء ومناطق متعددة، من بينها أشبارو، لاسيري، المسيرة، نافورة الخيل، موحى وبوعزة، آمالو، الكورس، إلى سيول وبرك مائية كبيرة بسبب اختناق قنوات الصرف وعجزها عن تصريف الكميات المتدفقة، وهو ما تسبب في شلل شبه تام لحركة السير والجولان، وأربك التدخلات الأولية، كما صعب تنقل الراجلين، بينهم التلاميذ الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بالمياه.
وسجلت مختلف المصالح حالة استنفار، حيث انتقلت السلطات الإقليمية والمحلية، مدعومة بعناصر الوقاية المدنية والقوات المساعدة وأعوان الجماعة ومصالح الماء، إلى عدد من الأحياء المتضررة، خصوصا حي أشبارو الذي يعد من أكثر المناطق تضررا في مثل هذه الظروف، حيث شوهدت فرق التدخل وهي تعمل على تسخير آليات لشفط المياه، وفتح البالوعات والشعاب المسدودة لتقليص حجم الأضرار وإعادة الوضع إلى طبيعته.
وفي سياق التتبع الميداني، حل عامل إقليم خنيفرة، محمد عادل إهوران، ببعض النقط المتضررة مرفوقا بباشا المدينة ورئيس الشؤون الداخلية، حيث أشرف على عمليات التدخل وعاين عن قرب وضعية عدد من المواقع، مع التركيز على نقطة أشبارو التي عرفت ارتفاعا كبيرا في منسوب المياه، حيث أعطى تعليماته لتسريع وتيرة الأشغال وتنقية مجاري المياه.
الفيضانات تسببت أيضا في عزل بعض المحاور الطرقية، حيث تم تسجيل انقطاع مؤقت لحركة السير بين خنيفرة وأجلموس، وبينها وبين القباب ومريرت وكهف النسور، كما شهدت مداخل المدينة ومحاورها الحيوية اختناقات مرورية حادة، أجبرت عددا من السائقين على التوقف، فيما علقت مركبات أخرى وسط المياه، واضطرت فرق الوقاية المدنية إلى التدخل لانتشال بعضها.
وارتباطا بالحالة المناخية، تم تسجيل حادث انهيار أرضي بمسلك محاذ للمحكمة الابتدائية، أدى إلى سقوط سيارة تعود لفاعل إعلامي، كما في ظل هذه التطورات، تم تأجيل افتتاح المعرض الإقليمي للمنتجات المجالية، الذي كان مقررا تنظيمه بساحة 20 غشت في اليوم ذاته، بسبب الظروف المناخية الصعبة التي حالت دون تأمين الفضاء وضمان سلامة المشاركين والزوار.
من جهته، اكتفى رئيس الجماعة، م. المصطفى بايا، في تصريحات متطابقة، بأن ما وقع “يندرج ضمن حالات استثنائية شهدتها عدة مناطق”، مؤكدا “تجند مختلف المصالح لاحتواء آثار هذه الفيضانات”، ومشددا على أن الأضرار المسجلة لا تشمل خسائر بشرية أو مادية، كما أشار إلى أن “نقطة أشبارو” تخضع حاليا “للدراسة في أفق تخصيص اعتمادات مالية لمعالجتها، مع توقع الإعلان عن صفقة بهذا الخصوص خلال الشهرين المقبلين” حسب قوله.
وبينما زاد ذات المتحدث في تصريحاته قائلا بأن “تأهيل البنية التحتية يظل أولوية وفق التوجيهات الصادرة عن وزارة الداخلية”، وفق قوله، لم تفته الإشارة لواقعة الانهيار الأرضي الذي وقع قرب المحكمة الابتدائية خلال العاصفة الرعدية، احتمل أن يكون “ناتجا عن انفجار تحتي في قنوات مائية”، فيما علم بخصوصه تسخير عمال الجماعة ومصلحة الماء لإصلاح هذا الجزء الطرقي خلال مساء اليوم ذاته.
ولعل التطمينات لم تنه الجدل، إذ عاد إلى الواجهة التساؤل حول وضعية البنية التحتية، ومآل عدد من المشاريع المهيكلة المرتبطة بالتطهير السائل، وعلى رأسها المشروع الألماني المغربي الذي رصد له غلاف مالي مهم قدر وقتها بحوالي 32 مليار سنتيم، إلى جانب برنامج تأهيل إقليم خنيفرة الذي أُطلق سنة 2008 بميزانية بلغت 220 مليون درهم، دون أن تنعكس نتائجه بالشكل الكافي على واقع المدينة، وفق تعبير متتبعين.
وعبر عدد من المواطنين والملاحظين عن استغرابهم من تكرار نفس السيناريو مع كل تساقطات مهمة، منتقدين ما اعتبروه غيابا للتفاعل الجدي مع التحذيرات الجوية الإنذارية، وبين مشاهد الغرق المتكررة وتصريحات التهدئة، تبقى خنيفرة أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على تجاوز أعطاب البنية التحتية، والانتقال من منطق التدبير الظرفي للأزمات إلى مقاربة استباقية قائمة على التخطيط المحكم في مواجهة التحولات المناخية المتسارعة.