
تغذية المرأة الحامل في المغرب: مفتاح صحة الأم والجنين وتقليص المخاطر
تُشكل صحة الأم والطفل أحد أبرز مؤشرات التنمية الصحية والاجتماعية، كما تُعد محوراً أساسياً في السياسات العمومية بالمغرب. وفي هذا الإطار، تحظى فترة الحمل بعناية متزايدة من طرف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بالنظر لما لها من تأثير مباشر على صحة الأجيال القادمة.
غير أن هذا الاهتمام لا يكتمل دون التركيز على عنصر حاسم، يتمثل في التغذية السليمة للمرأة الحامل، باعتبارها عاملاً أساسياً في ضمان حمل صحي ونمو متوازن للجنين.
احتياجات غذائية متزايدة… ومتطلبات دقيقة
خلال فترة الحمل، تزداد حاجيات المرأة من الطاقة والعناصر الغذائية الأساسية. فوفق توصيات منظمة الصحة العالمية، تحتاج الحامل إلى حوالي 300 سعرة حرارية إضافية يومياً خلال الثلثين الثاني والثالث.
كما ترتفع الحاجة إلى مجموعة من المغذيات الدقيقة، في مقدمتها الحديد للوقاية من فقر الدم، وحمض الفوليك لتفادي التشوهات الخلقية، والكالسيوم لدعم نمو العظام، إلى جانب البروتينات واليود الضروريين لنمو الأنسجة والدماغ.
أرقام مقلقة… وتحديات قائمة
تكشف المعطيات الدولية والوطنية أن سوء التغذية لدى النساء الحوامل لا يزال يمثل تحدياً حقيقياً. إذ تعاني نحو 40% من النساء الحوامل عالمياً من فقر الدم، فيما تصل هذه النسبة في المغرب إلى حوالي 34% لدى النساء في سن الإنجاب.
كما يظل نقص المغذيات الدقيقة، خاصة الحديد وحمض الفوليك، من أبرز الإشكالات التي تؤثر سلباً على صحة الأم والجنين.
بين العادات الغذائية والإكراهات الاجتماعية
يعكس الواقع المغربي تفاوتاً واضحاً في تغذية المرأة الحامل، سواء بين المدن والقرى أو بين الفئات الاجتماعية.
ففي الوقت الذي يعتمد فيه النظام الغذائي المغربي بشكل كبير على الكربوهيدرات كـ”الخبز” و”الكسكس”، يظل استهلاك البروتينات والخضر والفواكه دون المستوى المطلوب لدى فئات واسعة.
كما تلعب عوامل أخرى دوراً مهماً، من بينها:
• ضعف القدرة الشرائية
• نقص الوعي الغذائي
• استمرار بعض المعتقدات الخاطئة المرتبطة بالحمل
وتتفاقم هذه الوضعية في الوسط القروي، حيث تعاني النساء من محدودية الولوج إلى الخدمات الصحية وقلة تنوع الغذاء.
المطبخ المغربي… إمكانيات كبيرة غير مستغلة
رغم التحديات، يزخر المطبخ المغربي بإمكانيات غذائية مهمة يمكن استثمارها بشكل أفضل.
فالكسكس بالخضر واللحم، والحريرة، والسردين، والتمر، واللوز، إضافة إلى الحليب ومشتقاته، كلها مكونات قادرة على توفير نظام غذائي متوازن إذا تم اعتمادها بشكل واعٍ ومتنوع.
مخاطر صحية لا يجب الاستهانة بها
سوء التغذية خلال الحمل لا يمر دون آثار، إذ يرتبط بعدة مضاعفات، من بينها:
• فقر الدم وما يرافقه من مضاعفات أثناء الولادة
• انخفاض وزن المواليد
• ارتفاع خطر الولادة المبكرة
• زيادة معدلات وفيات الأمهات والرضع
• اضطرابات في نمو دماغ الجنين
نحو مقاربة شمولية لتحسين الوضع
لمواجهة هذه التحديات، يبرز اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد كخيار أساسي، تقوم على:
• تعزيز التوعية الغذائية، خاصة في المناطق القروية
• تعميم المكملات الغذائية الأساسية داخل مراكز الصحة
• تحسين جودة وتغطية خدمات تتبع الحمل
• إدماج التغذية ضمن البرامج الصحية الوطنية
• تطوير شراكات مع قطاعات التعليم والفلاحة والإعلام
• تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للنساء
استثمار في المستقبل
إن تحسين تغذية المرأة الحامل ليس مجرد إجراء صحي ظرفي، بل هو استثمار حقيقي في مستقبل المجتمع. فصحة الأم تنعكس مباشرة على صحة الطفل، وتشكل حجر الأساس لتنمية بشرية مستدامة.
وفي ظل التحديات الراهنة، يبقى تعزيز السياسات العمومية في هذا المجال وتكثيف الجهود التوعوية والوقائية ضرورة ملحة لتحقيق العدالة الصحية وتقليص الفوارق المجالية داخل المملكة.
بقلم: إيمان رفيق
المسؤولة الجهوية عن برنامج صحة الأم
المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية
فاس–مكناس