تخليدا لليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد، الذي يصادف 2 أبريل من كل سنة، ووفاء لإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة لسنة 2007، وتحت شعار دورة 2026: “التوحد والإنسانية – لكل حياة قيمة”، الذي يؤكد على كرامة وقيمة الأطفال والبالغين في وضعية توحد باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من مستقبل إنساني مشترك، نظّمت “جمعية رفيق لذوي اضطراب التوحد” بخنيفرة برنامجا إشعاعيا متكاملا، امتد من 2 إلى 10 أبريل 2026، تحت شعار “أنت لست وحدك… نحن معك”، في مبادرة تروم تعزيز الوعي المجتمعي وتحسين جودة حياة هذه الفئة ودعم أسرها، وذلك ببرنامج نُظّم بتنسيق مع عدد من الشركاء والمتدخلين والفاعلين المؤسساتيين والجمعويين.
لكل حياة قيمة
وبينما تميز بتنوع أنشطته بين حملات تحسيسية ولقاءات تفاعلية وأنشطة ميدانية، اختتم الأسبوع الإشعاعي عشية السبت 11 أبريل 2026، باحتضان “المركز الثقافي أبو القاسم الزياني”، بخنيفرة، ندوة علمية وازنة تحت عنوان: “التوحد والإنسانية: لكل حياة قيمة – أي استراتيجية لتعزيز الإدماج؟”، أشرفت على تسييرها رئيسة الجمعية، ذة. نهيلة دودو، بمشاركة نخبة من الأطر المتخصصة والباحثين في مجالات علم النفس والتربية وعلم الاجتماع والعمل الاجتماعي، انسجاما مع الأهداف الاستراتيجية الرامية إلى مواكبة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، وتقوية قدرات أسرهم، وتوسيع دائرة الإدماج الاجتماعي والتربوي.
وشهدت الندوة مداخلات نوعية لكل من الأخصائي النفسي الحركي والحكم، ذ. طارق محامي، والطالبة الباحثة في سلك الماستر علم النفس الإكلينيكي، ذة. هاجر الشناوي، والجامعي بشعبة السوسيولوجيا، حوسى أزارو، إلى جانب الأستاذ المشرف بقاعة الموارد والدعم بمدرسة أمالو، ذ. سعيد اعبا، وأستاذ التربية البدنية، ذ. حمزة بريك، حيث تقاطعت تدخلاتهم عند تشخيص واقع اضطراب طيف التوحد بالمغرب، واستعراض أبرز التحديات التي تواجه الأسر، خاصة على مستوى التشخيص المبكر، وولوج خدمات التأهيل والمواكبة النفسية والتربوية وتعزيز الادماج، مع إبراز أهمية اعتماد مقاربات متعددة الأبعاد، تجمع بين الترافع والدعم والبعد الصحي والنفسي والتربوي.
ولم تخل الندوة من نقاش مستفيض بين الحضور، الذي كان متميزا من حيث تنوعه واهتمامه، حيث تحولت القاعة إلى فضاء مفتوح لتبادل الآراء والمقترحات والخبرات والتجارب، وتقاسم الانشغالات المرتبطة بواقع التوحد، في أفق بلورة توصيات عملية تسهم في الارتقاء بسياسات الإدماج، وترسيخ ثقافة تقبل الاختلاف داخل المجتمع، وبذلك، كانت “جمعية رفيق لذوي اضطراب التوحد” قد بصمت على أسبوع تحسيسي ناجح، أعاد وضع قضية التوحد في صلب النقاش العمومي المحلي، ورسخ رسالة إنسانية مفادها أن الإدماج ليس خيارا ثانويا، بل هو حق أصيل يقتضي تعبئة جماعية ومسؤولية مشتركة من أجل ضمان كرامة كل الأفراد دون استثناء.
أنت لست وحدك
وقد انطلقت “جمعية رفيق لذوي اضطراب التوحد” في تفعيل برنامجها المسطر بهذه المناسبة، ابتداء من يوم الخميس 2 أبريل 2026، من خلال تنظيم نشاط رياضي احتضنته القاعة المغطاة بخنيفرة، وذلك بتنسيق مع المديرية الإقليمية للتعاون الوطني، وبشراكة مع المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال- خنيفرة، و”جمعية آفاق للتنمية وإدماج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بأجلموس”، و”جمعية أنير للتنمية النسوية والتكافل الاجتماعي بخنيفرة”، حيث شكل هذا النشاط لحظة دالة عكست انخراط مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين في دعم قضايا الإدماج الاجتماعي، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية مواكبة الأشخاص في وضعية إعاقة.
وأتاح هذا الموعد فرصة تنظيم باقة من الورشات التربوية والألعاب الرياضية ذات البعد الإدماجي، استهدفت الأطفال المعنيين، وقد عرف النشاط حضورا وازنا لعدد من المسؤولين والفاعلين، من ضمنهم رئيس شعبة التربية البدنية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بجهة بني ملال- خنيفرة، والمديرة الإقليمية للتعاون الوطني، ومدير المركز الإقليمي لمهن التربية والتكوين بخنيفرة، إلى جانب الأساتذة المتدربين بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين (شعبة التربية البدنية والرياضية بخريبكة)، وأطر مركز رفيق ومركز آفاق، فضلا عن شخصيات وفعاليات مدنية من خنيفرة وأجلموس.
واختُتم هذا النشاط بتوزيع الميداليات على الأطفال وشهادات المشاركة، قبل تنظيم زيارة لمركز جمعية رفيق، الذي احتضن في اليوم الموالي، الجمعة 3 أبريل 2026، يوما للأبواب المفتوحة، عرف إقبالا لافتا للزوار، حيث أتيحت لهم فرصة الاطلاع عن قرب على خدمات المركز، وبرامجه التأهيلية والتربوية، واستمرارا في تنزيل برنامجها المسطر، نظمت الجمعية، صباح يوم السبت 4 أبريل 2026 حملة طبية بمقرها، أشرفت عليها الدكتورة لطيفة عافاني، الطبيبة الرئيسة والمسؤولة عن القطب الطبي بمركز CNM6H بخريبكة، حيث وفّرت مواكبة صحية لفائدة الأطفال وأسرهم، في خطوة تعكس أهمية التكفل الصحي الموازي للمرافقة التربوية والنفسية.
ولم يتوقف وهج هذه المحطة عند حدود الجانب الطبي، بل توج، مساء اليوم نفسه، بحفل بهيج طغت عليه أجواء إنسانية حميمية، نُظم بتنسيق مع مديرية التعاون الوطني، احتفاء بأطفال التوحد وإبرازا لمواهبهم وقدراتهم المتعددة، وقد تميز الحفل بإقامة رواق خاص لعرض الأعمال اليدوية من إبداع مستفيدي جمعية رفيق، فيما تنوعت فقرات الحفل بين لوحات فنية وأناشيد تربوية هادفة، إلى جانب عروض مسرحية قدمها أطفال جمعية رفيق ومؤسسات أمالو ومتشفشان والمختار السوسي، كما أضفت لوحة استعراضية متميزة من تقديم جمعية موحى أوحمو الزياني للتيكواندو حيوية خاصة على أجواء الحفل، الذي اختتم بتكريم الرئيسة السابقة للجمعية، لبنى أبودي.
على مسار الترافع
وفي سياق انفتاحها على محيطها المؤسساتي، لبت الجمعية دعوة رسمية للمشاركة في أشغال اللقاء الجهوي المنعقد بمدينة بني ملال، يوم الأربعاء 8 أبريل 2026، برئاسة وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، حول موضوع: “السياسة العمومية للأسرة، أدوار وانتظارات الفاعل الترابي”، وقد جاءت هذه المشاركة في إطار التزام الجمعية بالمساهمة في النقاشات المرتبطة بقضايا الإدماج الاجتماعي، وتعزيز موقع الفاعل الجمعوي كشريك أساسي في تنزيل السياسات العمومية على المستويين الترابي والجهوي، إذ فور عودة ممثليها من لقاء بني ملال، احتضن مقر الجمعية، يوم الخميس 9 أبريل لقاء تواصليا لفائدة أسر المستفيدين، من تأطير الأخصائية النفسية بالمركز.
ويذكر أن “جمعية رفيق لذوي اضطراب التوحد”، بخنيفرة، تأسست سنة 2020، بمبادرة من مجموعة من أولياء أمور الأطفال في وضعية توحد، في سياق طبعته الحاجة الملحة إلى إطار منظم يسد الفراغ المؤسساتي الذي كان يعيشه الإقليم، ويؤسس لفضاء حقيقي للاحتضان والدعم، يضمن لهؤلاء الأطفال الرعاية النفسية والتربوية، ويدافع عن حقهم في التعلم والكرامة والاندماج داخل المجتمع، ومنذ انطلاقتها، راهنت الجمعية على العمل الميداني القريب من انتظارات الأسر، من خلال تنظيم ورشات تربوية وتأهيلية، وتقديم حصص للدعم النفسي الفردي والجماعي، وتقويم النطق، وتنمية القدرات الحركية والمعرفية للأطفال، إلى جانب مواكبة الأسر وتأطيرها.
كما دأبت الجمعية، في ختام كل سنة، على تنظيم حفل اختتامي تستعرض من خلاله حصيلة أنشطتها وبرامجها، في لحظة تقييم واستشراف، تجدد فيها التزامها المجتمعي بالدفاع عن حقوق الأطفال في وضعية توحد، وبناء شراكات مع مختلف الفاعلين، والعمل على توسيع دائرة الوعي المجتمعي بشأنهم، علاوة على تسليط الضوء على التحديات والرهانات التي تواجه هذه الفئة، وكذا الآمال المعقودة على تعزيز مسارات الترافع من أجل الاعتراف والاندماج الفعلي داخل النسيج المجتمعي، مع الدعوة إلى إلغاء مختلف أشكال التمييز التي تطال هذه الفئة، واعتماد سياسات عمومية مجالية وقطاعية أكثر استجابة لحاجياتها، بما يضمن كرامتها وحقوقها الأساسية.