من جديد، أعاد مقطع فيديو جرى تداوله على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي تسليط الضوء على مظاهر العبث والاستغلال التي باتت تلاحق صورة منتجع عيون أم الربيع بإقليم خنيفرة، أحد أشهر الوجهات الطبيعية والسياحية بالمغرب، فقد وثق الشريط قيام أحد الأشخاص باستخلاص مبلغ درهمين من كل زائر يرغب في عبور أحد الممرات المؤدية إلى فضاءات المنتجع، في مشهد أثار موجة واسعة من الاستياء والسخرية، حيث أطلق بعض المعلقين على الممر اسم “مضيق لهموز”، في إحالة ساخرة على “مضيق هرمز” وما يرتبط به من رسوم وقيود على العبور خلال الأحداث الأخيرة.
وسرعان ما استنفرت الواقعة السلطات المحلية التي تدخلت، وفق ما انتشر من أنباء، لإعادة الأمور إلى نصابها، من خلال إزالة بعض الحواجز والعلامات العشوائية التي جرى نصبها دون سند قانوني، والتصدي لبعض الممارسات المرتبطة بما أصبح يعرف بـ “أصحاب الجيلي الأصفر”، فضلاً عن وقف محاولات استغلال الملك العام وفرض إتاوات غير مشروعة على الزوار، ويطرح هذا التدخل، الذي جاء مباشرة بعد انتشار الفيديو، تساؤلات حول أسباب استمرار هذه المظاهر لفترات طويلة دون معالجة حازمة، رغم الشكايات والنداءات المتكررة التي يرفعها زوار المنتجع والفاعلون المحليون.
وكم من مرة خرج فيها عدد من الزوار للتشكي من الارتفاع المبالغ فيه لبعض الأسعار والخدمات داخل محيط المنتجع، سواء تعلق الأمر باستئجار الجلسات والفضاءات المطلة على المياه لفترات زمنية قصيرة، أو بأسعار الوجبات الغذائية والمشروبات وزيارة إحدى المغارات وخدمات أخرى يفترض أن تخضع لقواعد واضحة تحمي المستهلك والزائر والسائح وتضمن المنافسة الشريفة، كما تتكرر شكايات مرتبطة باستغلال بعض المرافق والمسالك العمومية وتحويلها إلى مصادر دخل غير قانونية على حساب حق المواطنين في الولوج المجاني إلى الفضاءات الطبيعية التي يفترض أن تبقى واجهة للسياحة عوض موضوع دائم للنقاش.
وكثيرا ما رأى متتبعون أن استمرار مثل هذه الممارسات العشوائية يهدد الجهود المبذولة للنهوض بالسياحة القروية والجبلية بالمنطقة، خاصة وأن عيون أم الربيع تعد من أبرز المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها الأطلس المتوسط، وتستقطب سنويا أعدادا مهمة من السياح المغاربة والأجانب، غير أن تحميل المسؤولية كاملة لبعض الأشخاص الذين استغلوا هذا الوضع يبقى قراءة غير مكتملة للمشهد، فبقدر ما ارتفعت الأصوات المنددة بمظاهر الابتزاز والفوضى داخل المنتجع، من الأجدر توجيه السؤال إلى الجهات المنتخبة والإدارات المعنية التي تركت هذا الفضاء الحيوي لسنوات طويلة دون ما يستجيب لحاجيات الزوار والساكنة المحلية.
فكيف يمكن لمنطقة تستقطب آلاف الزوار سنويا، وتعد من أبرز الوجهات الطبيعية بالمملكة، أن تظل في حاجة إلى أبسط البنيات التحتية والخدمات الأساسية؟ وأين دور الجماعة الترابية وبرلمانيي المنطقة والقطاعات الحكومية المعنية في توفير ممرات آمنة ومهيأة، ومرافق عمومية تضمن جودة الاستقبال؟ بل إن بعض المبادرات الفردية التي أصبحت اليوم محل جدل جاءت في الأصل لسد فراغ حقيقي، ف “خشبة المرور” مثلا التي أثارت الجدل لم تكن سوى حل ترقيعي مؤقت ابتكره بعض أبناء المنطقة لتسهيل عبور الزوار، غير أن غياب التأطير القانوني حول بعض هذه المبادرات إلى وسيلة لفرض أداءات على مستعملي الملك العام.
ومن المؤسف أن يجد الزائر نفسه داخل موقع سياحي شهير أمام أشخاص، وأحيانا أطفال، يطالبونه بأداء مبالغ مالية مقابل عبور بسيط أو زيارة مغارة أو استراحة على مشارف المياه أو استفادة من فضاءات طبيعية يفترض أن تكون متاحة للجميع، والأسوأ أن بعض الرافضين للأداء يتعرضون أحيانا للمضايقة أو الإهانة، في ممارسات لا تسيء فقط إلى صورة المنتجع، بل تسيء أيضا إلى سمعة المنطقة وسكانها، وفي مقابل هذه السلوكات المعزولة، يؤكد أبناء المنطقة أن ما يقع ليس سوى تصرفات فئة محدودة ولا يعكس قيم الساكنة المحلية المعروفة بقيمها المتجذرة في الثقافة الأمازيغية التي اشتهرت عبر التاريخ بإكرام الضيف وصون كرامته.
وبالمناسبة، تبرز إلى الواجهة ظاهرة أخرى تتمثل في انتشار تسول الأطفال على الطريق المؤدية إلى المنتجع، وهي ظاهرة تستوجب معالجة تنموية واجتماعية شاملة تتجاوز المقاربة الزجرية، عبر توفير بدائل اقتصادية واجتماعية للأسر الهشة، وتعزيز فرص التمدرس والإدماج الاجتماعي، فالمنطقة تتوفر على مؤهلات كبيرة، سواء من خلال ثرواتها الغابوية ومنتجعاتها الطبيعية، الأمر الذي يجعل الاستثمار في التنمية المحلية وتحسين ظروف عيش الساكنة مدخلا أساسيا للقضاء على مثل هذه الظواهر، وإن ما كشفه الفيديو الأخير لا ينبغي أن ينتهي بالحد من المبادرات الفردية، بل يجب أن يشكل فرصة حقيقية لفتح نقاش جاد حول مستقبل المنتجع.
المطلوب ليس فقط محاربة الفوضى، بل أيضا معالجة أسبابها وملء الفراغ الذي سمح بظهورها، عبر توفير البنيات التحتية والخدمات الضرورية وتنظيم الأنشطة السياحية وإشراك الساكنة المحلية في الاستفادة المشروعة من المؤهلات الطبيعية للمنطقة، فعيون أم الربيع تستحق أن تكون نموذجا للسياحة القروية والجبلية الناجحة، لا أن تتحول إلى فضاء تتنازع فيه المبادرات العشوائية ومظاهر الاستغلال، كما أن زوارها يستحقون الاستمتاع بجمال الطبيعة في ظروف تحفظ كرامتهم، فيما تستحق ساكنتها مشاريع تنموية حقيقية تجعل من الثروة الطبيعية رافعة للتنمية والعيش الكريم بدل أن تتحول إلى مصدر للتوتر والجدل المتكرر.